مقالات مختارة

في دوافع النظام المصري لإعادة دعم القضية الفلسطينية

من يلقي نظرةً على السنوات الماضية، ويمعن النظر في موقف نظام عبد الفتاح السيسي من القضية الفلسطينية، يجد أنّه يقف على أرضية المشروع الإسرائيلي والأجندة الإماراتية التي تخدم هذا المشروع. بل ذهب الأمر أبعد من ذلك، بأنّ النظام المصري بعد ثورة يناير (2011) أعلن أنّ حركة حماس هي المسؤولة عن اقتحام السجون في مصر، واندفع الإعلام بكلّ ما أوتي من قوة إلى القول إنّ الفلسطينيين يريدون الدخول إلى سيناء والبقاء فيها، وإنّ هناك مشروعاً كان يقوده “الإخوان المسلمون”، حينما أتوا إلى السلطة لإعادة توطين الفلسطينيين في سيناء. تبعت ذلك هجمة شرسة شنّها النظام لإخلاء سيناء بحجّة محاربة الإرهاب، هدف من خلالها أيضاً إلى القضاء على الأنفاق بين مصر وقطاع غزة، والتي كانت تعتبر متنفساً مهماً للقطاع المحاصر منذ عام 2006. لكن، منذ اندلعت المواجهات في أرض فلسطين المحتلة في الشهر الماضي (مايو/ أيار) تغير موقف النظام الذي اتخذ خطوات وضح من خلالها دعمه المقاومة، ولما يحدث، وإنْ بصورة جزئية، لكن ظهر أنّ هناك تغيراً في موقف النظام، فقد تغير خطاب الإعلام الرسمي تجاه القضية الفلسطينية، كما أنّ النظام أعاد فتح معبر رفح لتقديم المساعدات، إلى جانب إرساله أطباء بالتعاون مع وزارة الصحة ونقابة الأطباء، إلى مستشفى العريش، لتقديم العلاج للمصابين من قطاع غزّة جرّاء القصف الهمجي والوحشي للاحتلال الإسرائيلي.

أدّى انخراط النظام المصري في المعارك الإماراتية بالوكالة، وارتهان قراره بحكومة أبوظبي، إلى فقدان مصر أوراق ضغط عدة

هناك دوافع أدّت به إلى ذلك، أولها التصرّفات الإماراتية التي ورّطت النظام في أزمات كثيرة، وجعلته يفقد مكانته وقدرته على التحرّك في القضايا الإقليمية، إذ أصبح الموقف المصري مرتهناً بالنظام الإماراتي، والذي اكتشف بعد ذلك أنّ الأخير يهدف إلى تحجيم دور مصر، بل محاصرتها من خلال أعدائها، والهيمنة علي المنطقة بالاشتراك مع إسرائيل. وضح ذلك في موقف الإمارات من سدّ النهضة الذي تشارك في تمويله، والتحالف مع الإثيوبيين، من أجل محاصرة مصر وإخضاعها للقرار السياسي الإثيوبي. وبالطبع، أصابع إسرائيل لا تخفي في هذه المسألة، فهي أول الرابحين من محاصرة مصر، وإغراقها في أزمة وجودية قد تودي بها نهائياً. أدى انخراط النظام المصري في المعارك الإماراتية بالوكالة، وارتهان قراره بحكومة أبوظبي، إلى فقدان مصر أوراق ضغط عدة، يمكن لها استخدامها في مواجهة المشكلات والتهديدات الخارجية، وفي مقدمتها أزمة سدّ النهضة. وبالتالي، لم يكن لدى مصر أيّ أوراق ضغط قد تستخدمها عند الجلوس على مائدة المفاوضات، في ما يتعلق بسدّ النهضة، أو حتى مساعدتها في القيام بعملية عسكرية. حينما اندلعت المواجهات أخيراً، وجدت مصر أنّها اللحظة المناسبة لتعيد تموضعها في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والقاهرة تهدف في ذلك إلى إرسال رسائل عدة إلى الإسرائيليين أنّ محاصرة مصر في إثيوبيا قد تؤدي إلى ذهاب مصر لتقديم الدعم الكامل للمقاومة الفلسطينية، ورفع قدرتها وكفاءتها القتالية في مواجهة إسرائيل. بمعنى آخر، الإسراع بمحاصرة مصر الإسرائيليين في الأراضي المحتلة، قبل أن تحاصرها إسرائيل في منابع النيل.

وجود علاقات قوية للمصريين في قطاع غزة شيء مفهوم كونه امتداداً للأمن القومي المصري، ولدى مصر التزاماتها الأخرى تجاه إسرائيل، طبقاً لاتفاقية كامب ديفيد

بدعم القضية الفلسطينية، يهدف النظام المصري إلى عملية تنفيسٍ للغضب المتراكم في الداخل، نتيجة تدهور الأحوال الاقتصادية والقمع السياسي وانسداد الأفق في حلّ قريب للأزمة الطاحنة التي تمرّ بها البلاد، إلى جانب الأزمة الكبرى التي تواجه الدولة والنظام معاً، وهي أزمة نهر النيل، والتي بدا واضحاً أنّ النظام يقف عاجزاً حيال التصرّف معها. من ناحية أخرى، دعم النظام المصري القضية الفلسطينية، والاستجابة بهذه السرعة العاجلة محاولة لقطع الطريق على قوى إقليمية أخرى مثل إيران، والتي تريد أن تجعل المقاومة الفلسطينية ذراعاً لها على طريقة حزب الله في لبنان، وهو أمرٌ مزعج للأميركيين والإسرائيليين، وفي الوقت نفسه، مهدّد للأمن القومي المصري، فوجود علاقات قوية للمصريين في قطاع غزة شيء مفهوم في إطار كونه امتداداً للأمن القومي المصري، كما أنّ لدى مصر، في الوقت نفسه، التزاماتها الأخرى تجاه إسرائيل، طبقاً لاتفاقية كامب ديفيد. كما أنّ التفاهم مع المصريين أيسر كثيراً من التفاهم مع الإيرانيين الذين لا تربطهم أيّ اتفاقات مع الإسرائيليين، بل عداء واضح وصريح ومواجهات عدة، خصوصاً على الجبهة اللبنانية ثم السورية بعد الحرب الأهلية، ولو اكتمل الأمر مع قطاع غزة فمعناه إحكام الطوق الإيراني حول إسرائيل.
ولعلّ هذا ما يفسر سرعة اتصال الجانب الأميركي بالجانب المصري، طلباً للوساطة والتحدّث مع قيادات المقاومة، للوصول إلى تفاهمات، ولإنهاء الأزمة الحالية ووقف لإطلاق النار، ووضع حدّ لتدهور (وكسر) الصورة النمطية عن إسرائيل، وجيشها الذي كان يروج عنه أنّه لا يقهر. تبع هذا أيضاً تغير في اللهجة الأميركية حيال سدّ النهضة وتداعياته على المنطقة. في اللحظة نفسها، يسعى كلّ من النظام المصري والأميركيين إلي سرعة إنهاء الأحداث، فاستمرار الوضع بالصورة التي ظهر عليها، والذي كان مفاجئاً للعالم أجمع، صعّب من مهمة إسرائيل في مواجهة الأحداث، وكشف عدم قدرتها على ذلك. وبالتالي، لا بدّ من عملية إنقاذ سريعة لها، من خلال الوصول إلى تهدئة سريعة، والجانب المصري يمتلك أدوات وقنوات اتصال كثيرة مع المقاومة، ولديه القدرة في التأثير عليها. وفي الوقت نفسه، استمرار المشهد بالصورة الحالية، وصمود المقاومة في تكبيد الاحتلال خسائر اقتصادية وسياسية كبيرة، سيرفع أكثر من أسهم المقاومة وقبولها في الشارع العربي، وفي مقدمته الشارع المصري، وهو ما يشكل ضغطاً على نظام السيسي الذي يرى في المقاومة ذات التوجه الإسلامي خطراً على مشروعه السياسي، ومشروعيته التي تأسّست، في جزء منها، على مواجهة الإسلاميين في مصر وخارجها، كما أنّ نجاح المقاومة قد يؤدّي إلى تحرّك شعوب أخرى للانتفاض ضد حكامها، وهو ما يمثل الخطر الأكبر بالنسبة للنظام المصري.

أفشلت المقاومة صفقة القرن وموجة التطبيع في المنطقة، وكذلك السعي إلى نقل القضية الفلسطينية من قضية تحرير أرض إلى مجرد صراع إقليمي مع إيران

من ناحية أخرى، فإنّ الوصول إلى إيقاف سريع ووقف لإطلاق النار فيه إنقاذ أيضاً للرئيس الفلسطيني محمود عباس، والذي بدا واضحاً أنّ موقفه باهت، وغير قادر على التقدم بالقضية، وضعفه الذي بدا واضحاً في تأجيله العملية الانتخابية، إلى جانب فرض هيمنته على الضفة الغربية وقمع أيّ حراك ضد الاحتلال، ما حدا كثيرين إلى وصفه بأنّه شرطي الاحتلال في الضفة. بالطبع، إنقاذ عباس هو أيضاً إنقاذ لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي تعتبرها الأنظمة العربية والغربية الممثل الوحيد والشرعي للقضية الفلسطينية، وهو في الوقت نفسه محاولة لسحب البساط من تحت أقدام المقاومة. إلاّ أنّ هذا الأمر قد تجاوزه الزمن، فما فعلته المقاومة فرض واقعاً جديداً، ورسم مساراً آخر للقضية برمتها. لقد أفشلت المقاومة صفقة القرن وموجة التطبيع في المنطقة، وكذلك السعي إلى نقل القضية الفلسطينية من قضية تحرير أرض إلى مجرد صراع إقليمي مع إيران، كما أفشلت معظم خيارات ما يسمى محور الاعتدال العربي، وأنهت كذلك النقاش العدمي لجدلية التضارب بين خياري المقاومة والتسوية. لقد استطاعت المقاومة أيضاً إعادة رسم الصورة النمطية عن المحتل، فامتلاكه واستخدامه عناصر قوته العسكرية قد أدّى إلى القضاء على أيّ تصوّر عربي عقلاني لإمكانية “إزالة” المحتل بالقوة العسكرية، خصوصاً في وجود “الأسلحة النووية” التي تفرض حقائق صلبة. لقد تغيرت المعادلة، وأصبح هناك واقع جديد تُكتب فصوله عبر فوهة البندقية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات