مدونات

في يومها العالمي.. دور الترجمة في نهضة اللغة العربية..حسام بن الأزرق

في اليوم العالمي للغة العربية وهو الثامن عشر من شهر ديسمبر من كل سنة، تسعى المنظمات والمؤسسات والجمعيات الخيرية في معظم البلدان العربية للاحتفال، ولو بشكل بسيط، باللغة العربية وبمنجزاتها الحضارية وحضورها الدائم في المنتديات والمؤتمرات الدولية. وقد وقع اختيار هذا التاريخ لكونه اليوم الذي أصدرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3190 والذي يقر بموجبه ادخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية في الأمم المتحدة. ويهدف تخصيص يوم عالمي للغة العربية إلى لفت انتباه العالم إلى واحدة من اللغات الحية التي ساهمت بشكل كبير في النهضة الأوروبية الحديثة ثم في الثورة الصناعية وذلك من خلال ما قامت بنقله من علوم وفلسفة وطب عن طريق الترجمة من اللاتينية واليونانية والفارسية. ولم يكتف المفكرون والعلماء العرب بمجرد الترجمة الى العربية بل أضافوا إليها شتى أنواع الإبداع والبحوث وهو ما ساعدها على اكتساب وانتاج المعرفة من جهة وعلى تكوين القاعدة الأساسية لعلماء ومفكري النهضة الأوروبية من جهة أخرى.

الترجمة كقاطرة للتقدم والنهضة

تعتبر الترجمة نشاطا بشريّا هاما باعتبارها وسيلة تواصل وتفاهم بين الثقافات والشعوب واللغات المختلفة. ولئن كان هذا النشاط اللغوي موغلا في التاريخ وضاربا في القدم، فإنّ أهميته تزايدت بشكل ملحوظ نظرا للتطوّرات والمتغيرات الطارئة على مرّ التاريخ. فقد أمست الترجمة أداة لا غنى عنها، فبها تتجدد اللغات وتتطور وتعزز حيويتها وقدرتها على ؤ. وبالإضافة إلى دورها الكبير في إثراء وتطوير اللغة بحدّ ذاتها، فهي تساهم في صناعة وإنتاج المعرفة بكل أشكالها. وقد عني العرب بالترجمة حال اتصالهم بالثقافات المجاورة، حیث نقلوا العلوم والآداب عن الفرس والیونان والصین والهند.

ومن المؤكد أن ازدهار حركة الترجمة ازدھارا كبیرا في أواخر العصر الأموي وبدایات العصر العباسي -لاسیما حینما أخذت بعدا مؤسسیا في عهد الخلیفة العباسي المأمون- كان عاملا مھماً من عوامل النھضة والتقدم في تلك الفترة. فعلى سبيل المثال، كان الخليفة العباسي هارون الرشيد يرسل العلماء إلى شتى أصقاع العالم بحثاً عن الكتب والمخطوطات كما كان يكافئ المترجمين بسخاء لا مثيل له. وفيما بعد، جنّد ابنه المأمون أفضل العلماء والمترجمين للقيام بالأبحاث العلمية والترجمة والتأليف في مختلف المجالات وقد برز في هذا العصر علماء أفداد لا يشق لهم غبار وعلى درجة عظيمة من العلم والتبحر في المعرفة ومن أمثال هؤلاء نذكر الخوارزمي والجاحظ والكندي بالإضافة إلى مترجمين عظماء ومن أشهرهم حنين ابن إسحاق العبادي الذي جمع في سجاياه المهارة في الطب والنبوغ في الترجمة والتصنيف.

وقد تكللت كل هذه الجهود بإنشاء بيت الحكمة في بغداد والتي كانت أول أكاديمية في العالم الإسلامي تجمع خلف جدرانها أفضل العقول والعلماء والباحثين. ومما يثير الاهتمام أن المأمون كان قد منح المترجمين في فترة خلافته أعلى المناصب في البلاط تكريماً وتقديراً لجهودهم الحثيثة في إثراء التراث الإسلامي والعربي بفروع المعرفة الجديدة آنذاك. وهو ما أكده الباحث ديمتري جوتاس في كتابه “الفكر اليوناني والثقافة العربية: حركة الترجمة اليونانية – العربية في بغداد والمجتمع العباسي المبكر”. علاوة على ذلك لعبت الترجمة دورا محوريا أثناء النھضة العربیة الحدیثة التي بدأت في مطلع القرن التاسع عشر والتي مارس معظم روادها الترجمة وأسھموا في تطویرھا وعلى رأسهم رفاعة رافع الطهطاوي مؤسس نواة مدرسة الألسن. وعلى الرغم من الاختلافات الجوهرية بين حركتي الترجمة في العصر العباسي وعصر النهضة باعتبارهما تجربتان متباينتان من حيث التموقع الحضاري للعرب/المسلمين وديناميكيات إنتاج المعرفة والظرف الثقافي/السياسي، فان الترجمة كانت ولا زالت همزة الوصل في مشروع إثراء اللغة العربية لغويا ومعرفيا.

أثر الترجمة في اللغة العربية

لقد استطاعت اللغة العربية أن تستوعب العلوم (اليونانية والإيرانية والهندية) بسرعة هائلة وبمجرد أن بدأت حركة الترجمة، بدأت معها العربية تتخذ شكلاً مطواعا لتستجيب لكل الروافد حيث اتسع صدرها للعديد من الكلمات والمعاني الاصطلاحية والتراكيب الفنية والألفاظ العلميّة الأجنبية إلى درجة أنها تحولت من لغة ضيقة ذات طابع قبلي إلى لغة عالمية وأصبحت لغة العرب هي لغة الدين والحكمة والقانون والسياسة والإدارة والتجارة والكتابة والتأليف. وقد أشار الى ذلك الباحث المغربي محسن المحمدي حيث يقول في هذا الصدد: “إن العلوم والفلسفة كانت تعتبر أعجمية وهي دخيلة تم استيرادها واستجلابها من الحضارات القديمة ومع إرادة تأسيسها من طرف السلطة خاصة زمن الخلافة العباسية وإقحامها في التربة الاسلامية، كان لزاما أن يحدث تجديد في اللغة نفسها كي تستوعب المعاني غير المألوفة وهو ما حدث بالفعل، حيث اكتسبت العربية سلاسة وجزالة ومرونة فأصبحت قادرة على أن تعبر عن: منطق أرسطو، وفلسفة أفلاطون، وطب أبقراط، وجالينوس، وفلك ٳبرخس وبطليموس، ورياضيات ٳقليدس، …إلخ.” إذن، أصبحت العربية لغة الحضارة بامتياز.

المعوقات والتحديات

على الرغم من تعدد المشاريع المحفزة على الترجمة (على سبيل الذكر لا الحصر مشروع الألف كتاب الأول والثاني في مصر ومشروع “كلمة” لهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث ومشروع “الشروق – بنجوين” لترجمة كلاسيكيات الأدبين العربي والغربي وكتاب في دقائق) أو المؤسسات (على سبيل المثال مركز البابطين للترجمة والمنظمة العربية للترجمة ومعهد تونس للترجمة… الخ) أو الجوائز القيمة كجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي وجائزة ابن خلدون-سنغور وجائزة أركنساس للترجمة العربية وجائزة سيف غباش- بانيبال للترجمة الأدبية من العربية إلى الإنجليزية… الخ، فإنها لم تسفر عن نتائج حقيقية ملموسة كما وكيفا. بل ظلت العربية في تأخر وتراجع وخير دليل على ذلك تدهور جودة التكوين اللغوي لنسبة لا يستهان بها من الشباب العرب الذي باتوا عاجزين عن التعبير باستعمال عربية سليمة سلسة خالية من الصيغ الركيكة والتعابير السقيمة والأخطاء الفظيعة.

بالإضافة الى ذلك تواجه اللغة العربية تحديات جمة تحول دون تمكنها من مسايرة الحداثة والطفرات العلمية والتقنية الهائلة التي عرفها العالم. ورغم أن هذا العجز ليس بنيويا حيث لا ينكر علماء اللغة واللسانيات المؤهلات الفريدة لهذه اللغة وغنى معجمها فانه لا يمكن فصل مشاكل اللغة العربية عن حالة التشرذم والتخلف السياسي والعلمي والتكنولوجي المهيمنة في الدول العربية والإسلامية منذ قرون. كما تواجه العربية في نفس السياق إشكالا آخر هو صعوبة الرقمنة والتي تعني تحويل المواد – سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة – إلى صيغ رقمية صالحةٍ للتداول على الأجهزة الرقمية والإنترنت والتخزين على الوسائطِ الحديثة من أقراص صلبة ومرِنة وقابلة للنشر على الإنترنت. إن تنمية المحتوى العربي الرقمي تتطلب أدوات معلوماتية أساسية تعتمدُ على حوسبة اللغة العربية وتحليلها بشكل عملي دقيق. وأهم هذه الأدوات محركات البحث والمعاجم الالكترونية وبنوك المصطلحات. وللأسف فان ما يوجد حالياً لا يلبي الاحتياجات ولا يرقى إلى مستوى الأدوات المُماثلة في لغات أخرى كالانجليزية والفرنسية.

أما على المستوى السياسي فان أصحاب القرار في الدول العربية يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية نظرا لنقص الاعتمادات المرصودة للبحث العلمي بشكل عام وفي علوم اللغة واللسانيات بشكل خاص. إن الإحصائيات المتاحة تحكي في مجملها واقعا مؤلما لا يبعث على الأمل إن استمر الحال على ما هو عليه الآن. فعلى سبيل المثال يبلغ إنتاج البلدان العربية مجتمعة نصف إنتاج إسرائيل في مجال الترجمة. ويُترجم أيضا كتاب واحد أو اثنين تقريبا لكل مليون نسمة في العالم العربي مقابل مائة كتاب تقريبا لكل مليون نسمة في إسرائيل ومئتان وخمسون كتاب تقريبا لكل مليون نسمة في إسبانيا. كما يشير هاشم صالح في مقدمة ترجمة كتاب أركون “أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟” أن “اليابان أكبر بلد مترجم في العالم” (ما لا يقل عن 30 مليون صفحة سنويا). وبناءا على ذلك يتوجب علينا كعرب أن نرفع في معدل الترجمة والذي يعتبرا حاليا مخجلا من أجل سد الثغرات المعرفية التي تغمر مكتباتنا وجامعاتنا في جميع المجالات.

في الحقيقة، لا تنفي هذه الصورة القاتمة كثيرا من الجهود المبذولة من قبل مؤسسات وأفراد للنهوض باللغة العربية لكن ذلك لن يكون له تأثير قوي إذا لم يكن نتيجة عمل عربي مشترك يتداخل فيه العلم بالسياسة فتصبح السياسة خادمة للعلم. إننا بحاجة إلى مشروع مجتمعي تتدخل فيه كل الأقطار العربية اقتفاء لركب اللغات الرقمية العالمية.

نقلا عن مدونة الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى