مقالات مختارة

قانون قيصر صفعة للصوص الإقليم

غازي دحمان

منذ أكثر من سنتين، ودمشق محج لوفود إقليمية كثيرة، بعض الزيارات كانت معلنة، وكثير منها تم في الخفاء، والغرض التجهيز لقطف ثمار مرحلة الإعمار، والتي كانت، حسب تقديرات هؤلاء، ستمثل مشروع القرن الاقتصادي. وليس سراً أن نظام الأسد بنى، في ظل حربه على السوريين، شبكة علاقات معقدة مع أصحاب أموالٍ كثيرين في المنطقة، في إطار تحالف سياسي اقتصادي، غرضه تحقيق أكبر الفوائد لأعضائه: الأسد يستطيع تجاوز الحصار المفروض عليه، وتأمين بعض المستلزمات التي تضمن استمرار حربه ضد المعارضة، والشركاء الإقليميون يحققون فوائد اقتصادية، مع وعد مستقبلي بأن تكون لهم حصة كبيرة في سورية بعد الحرب.

 

من هم هؤلاء، المغامرون، الذين يتورّطون في علاقات تجارية مع نظام واقع تحت مجهر العقوبات الدولي؟ تدفع الإجابة إلى معرفة تركيبة هؤلاء “الشركاء”، ودوافعهم وطريقة تفكيرهم وأساليب عملهم. والملاحظة الأولى أن هؤلاء ينقسمون فريقين: الأول خليط من تجار الحروب والأزمات، وتجار مواد ممنوعة، كالمخدرات، بالإضافة إلى مهرّبين، وبعضهم يعمل واجهاتٍ للنخب الفاسدة في الإقليم، وهؤلاء جميعهم يسعون إلى تعظيم ربحهم باعتبار أنهم أمام فرصة  من الصعب تكرارها، وكذلك إلى تبييض أموالهم. وكانت مرحلة الإعمار في سورية فرصة لتحقيق الهدفين، في ظل وجود مئات الشركات والبنوك التي ستغطّي على نشاطاتهم وأسمائهم، وربما يدخلون السوق السورية تحت جناح إحدى الشركات المعروفة، أو ضمن أسماء شركات جديدة، وقد شهدت دمشق في الفترة الماضية تأسيس شركات مهمتها التجهيز للمرحلة المقبلة. الفريق الثاني رجال أعمال مدفوعون بأسباب سياسية، يمثلون التيارات الحاكمة في المنطقة التي كانت فعلياً مؤيدة لنظام الأسد في قمعه الثورة السورية. وقد وجد هؤلاء في المتغيرات الجديدة، ما قبل صدور قانون قيصر، فرصةً للإعلان عن أنفسهم ونشاطاتهم المستقبلية في سورية.

لم يخطر ببال هؤلاء جميعاً أن الرياح ستسير بما لا تشتهي سفنهم. وبالنسبة لهم، فإن العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على نظام الأسد، منذ 2012 وما تبعها، سيكون مصيرها التفكّك والزوال، ذلك أن الأسد الذي يسير خلف رئيس روسيا، فلاديمير بوتين، سيطيح العقوبات كما أطاح الثورة. وكما استهزأ بوتين بالقرارات الغربية بشأن سورية، ومناشدات منظمات حقوق الإنسان، واستمر في حربه الإجرامية ضد السوريين، وحوّل هذا الأمر إلى واقعٍ قبلته كل الدنيا، سيحوّل مرحلة الإعمار إلى واقع، ويجبر الغرب وشركاته على دفع استحقاقات البناء. وسر قوّة بوتين أنه واقعي وليس حالما، وهو يملك أوراق قوّة كثيرة، ستدفع الغرب إلى فك حصاره عن نظام الأسد. ولعل أهم ورقة بيده هي تجويع السوريين، وتحميل الغرب مسؤولية ذلك، بدليل استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، لمنع وصول  

 

المساعدات الإنسانية إلى السوريين من معابر محدّدة.
ولكن يبدو أن رهانات هؤلاء قد خابت، ولم ينتبهوا إلى حقيقة أن الأميركيين عندما يلعبون السياسة يتعاطون معها بالتقسيط، فلكل ورقة ثمنها، ولكل سوقٍ زمان، ولا يرمون أوراقهم كلها دفعة واحدة، فهم قد يقبلون بتحطيم روسيا الثورة السورية، وليست لديهم مشكلة في العدد الذي تقتله طائرات بوتين، مثل هذه القضايا لا تستدعي استجابات عاطفية، بل حساباتٍ سياسيةً بحتة، وبالتالي هم يرون أن لديهم فرصة لتحقيق مكاسب عالية، في مقابل أثمان بسيطة يدفعونها، وهذه تحوّلات مهمة في السياسات الأميركية أنتجتها سيادة نمط التفكير بأسلوب الصفقة التي زرعها الرئيس ترامب في سياق التعامل الأميركي مع القضايا الخارجية وبؤر الصراع، وهو أسلوب يبدو أن الروس لم يستبطنوه حتى اللحظة، ولم يطوّروا أدواتهم التفسيرية التي ما زالت ترتكز على التفسير المؤامراتي الموروث من زمن الاتحاد السوفييتي.
يضع ترامب، وقانون قيصر، حلفاء الأسد، أو شركاءه التجاريين في مأزق لم يخطر ببالهم، وخارج سياق توقعاتهم وتصرّفاتهم، فهم منهمكون، في هذه الأثناء، في التأسيس لمرحلة الإعمار المقبلة، وحسابات الأرباح التي سيجنونها من مشروعٍ، تقدّره الدراسات الاقتصادية بأنه سيكون موازيا للمشروع الصيني، الحزام والطريق، فمشروع البناء السوري كان مقدّراً له مبلغاً لا يقل عن ستمائة مليار دولار، وهذا رقم أولي، يشمل البنى التحتية وهياكل المدن المدمّرة،  

ستتبعه أرقام جديدة، خاصة بالاستثمارات الترفيهية والسياحية وإنشاء البنوك الجديدة والمطارات الحديثة وسواها من لزوميات تحويل سورية إلى ما يشبه لاس فيغاس الشرق.
في ظل هذه التطورات التي يصعب على الأسد وشركائه تغييرها، أو تعديل استراتيجياتهم لمواجهتها، هم أمام أحد خيارين: الانفضاض عن الأسد، والاقتناع بأنه فرصة ميتة لم يعد لها مستقبل ولا تستحقّ المغامرة والفضيحة، وعلى الأرجح أن الشركاء المدفوعين بأسبابٍ سياسيةٍ سيسيرون في هذا الاتجاه، أو الاستمرار في التعامل السابق، عبر عمليات التهريب وتجارة الحروب. وسيقبل الفريق الأول، تجار الأزمات، هذه الصيغة باعتبار أنه لا يملك بدائل وهوامش مهمة.
قبل قانون قيصر، استنفر كل لصوص الإقليم لتبييض أموالهم، وربما صفحاتهم، في مشروع القرن السوري، واليوم يمكن وصفهم “أيتام” قيصر.

نقلا عن .. العربي الجديد 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى