مدونات

قلب الباحث مفتون.. خولة مقراني

هي جرعة ضئيلة تلوَ الجرعة من العلم قد تميل بقلبِ الباحث إلى الهَوى فيتغشّاه العمى ويَهوي به في وادٍ سحيقٍ لا نهاية له، ذلك أنّ زُخرف العِلم يَغُر ويُغوي، والغَرفة الواحدة منه بحر عشقٍ للمعرفة لا يَشبع صاحبه ولا يَهنأ طالبه. غير أن المُتعمّق فيه بحكمة، متفطّنٌ لموضع خُطاه، يأخذ خطوةً أبعد ويتدبّر مواقع الأطراف وتشكّل السُّبل وتمايز الأهداف، فيقيس المساحات ويعرف المزالق ويحذر الزلات، وكأنه يُدرك جيدًا كيف يُقنِّن جرعاته، مهما زادت عن حدّها لابدّ لها أن تعود فتستقرّ؛ لتُلقي به في الختام بين أحضان اليقين، فالأمر لا يتعلّق بالأحداث بحدّ ذاتها ولا بهَوْلها ولا بما يتجلّى منها من خبايا وما يتكشّف عنها من أسرار بقدر ما يتعلق بتسارعِ وتيرتها وبمناهج التفكير وموازين القياس.

والباحثُ المتعطّش أيًّا كان مجال تخصّصه تجده تائهًا في سراديب العلم، عقله عن أروقة الحياة قد انصرف، وكأنّ به يقينًا زرعه وَلَهُ البحث لكنّه اشترط العُزوف، أو كالعودِ الصّامت يروي ظمأ لحنه بين معازف الكلمات وترّهات الفواصل. مسكونًا بشغفٍ يجرّه طوعًا وكرهًا لعمل متواصل، للبحث والتعلّم، للذهاب إلى مناطق أبعد غورًا ممّا قد وصل إليه، فينأى بنفسه بعيدًا عن الجموع عن الدنيا ومغرياتها، فلا تلهيه عن عمله ملهاة ولا تصرفه عنه نائبة، مهما حاد يعود ويلتزمُ السّبيل، يُسقط الأحداث، التواريخ والأشخاص، إن هو في قلبه أضرم ناره فيغدو كلّ شيءٍ دونه كالهشيم. ولقد أوجزت الدكتورة هبة رؤوف حين وصفته فقالت: “العلم مثل العشق… لا ينقضي شغفه، طويلٌ سهره، مقيمٌ همّه، مسكينٌ صاحبه”. الحقيقة أنّني كنت دائمًا أقف مستغربة من هؤلاء العازفين عن الحياة، الغارقين في بحور أعمالهم، السابحين في أعماق البحث والاكتشاف، المتقوقعين على أنفسهم في مكاتبهم أو مُختبراتهم، المتأخرين عن محطّات الحياة التي فرضتها المعايير المجتمعيّة، لكنّني حين بلغتُ المقام ذُقْتُ واستعذبتُ، فعرفتُ، فعَذَرت.

منذ سنوات دراستي الثانوية فُتِنْت بالعالم الذريّ، بالجُسيمات متناهية الصّغر، بالأنوية، مكوّناتها وكل ما جاورها، كنت أراها تجسيدًا مصّغرًا متناهي الدقّة لمجرّتنا؛ تلك النواة كشمسٍ للعالم الذريّ ودوران الإلكترونات حولها كدوران الأفلاك في مداراتها وذلك الفراغ بينها كفضاءٍ فسيحٍ… حتى أني كنت ومازلت أستمتع بمقارنة الذرة بالنفس الإنسانية؛ في سعيها الدائم إلى الاستقرار، في رغبتها الدائبة في خلق التوازن، في رميها لأثقالها طمعًا في التخفّف مما لا تحتاجه، مما يعيق حركتها ويخلّ باستقرارها أو يفسد تركيبها… أمّا الإلكترونات الحرة فأراها أشبه بأرواحٍ متمرّدة غير منتظمةٍ بأفلاكها؛ لتكون سببًا في حدوث تفاعلاتٍ جديدة تخلق طفراتٍ مجتمعيّة أمثال العباقرة والمبدعين الذين يكسرون رتابة الأنظمة ويتحرّرون من فلك الوظائف المملّة ليبرزوا إلى العالم بمواهبهم وإبداعاتهم، وهي ذي العبقريّة السخيّة التي لا تظهر إلا باستثارتها.

لقد كان هذا الجزء الصّغير جدًّا من العالم وما زال كل عالمي الذي مهما ابتعدت عنه راغمةً أو راغبةً أعود إليه كتائهٍ يهتدي إلى سبيله من جديد أو كما المغترب حين يرميه الحنين وتُعيده الوِحشة إلى ديار الوطن. والزّاوية الأجمل من هذه الحياة التي تجعلني دائمًا أقف مدهوشةً أمام قدرة الله المذهلة في تركيب الكون من أصغر جزء إلى أكبره، في التناسق والتناغم الرهيب فيما بينها، في تلك القوى الهائلة التي تربط جسيماتٍ صغيرة لا تكاد تكون، في الأسرار العظيمة التي تحملها، في الغموض الذي يلفُّ العالم اللامرئيّ. أذكر دهشتي الأولى ورفّة قلبي بكل تفاصيلها حين وقفتُ منذ سنوات كالطفل الذي يكتشف العالم من حوله لأوّل مرّة وأنا أتحسّس “مُصادم الجسيمات”، كيف كنت أقفز بين أجزائه وكيف فغرت فاهي من فرط الدهشة التي ألمّت بي، وكأنّ طاقةً رهيبةً تسرّبت بين مساماتِ جلدي ونورًا تسلل ليشعل فتيل اليقين بداخلي لتتأجج معه الكثير من الأسئلة وكل سؤال منها يرفع نشوتي درجات…

 

فوضى المشاعر التي اجتاحتني وأنا أبصر حقيقة أشعة البروتونات والنيترونات بعد أن خلتها دائمًا أشعة مرئيًّة لكل عينٍ مجرّدة ثم أدركت أنّه لا يُرى منها سوى أثار اصطدامها بصفائح معدنية قد تعترض مسارها لأنها من الجسيمات الأولية التي لا تظهر تحت الشروط الطبيعية بل نستطيع مشاهدتها عن طريق التصادم (collision). لقد كان أخذ جرعات متفاوتة من تلك الأشعة لفتاةٍ في عمري حينها أشبه بقفزة متهوّرة نحو الهاوية دفعت ثمنها لاحقًا لكني لم آبه، فقد كنت مخمورة بمتعة اللحظة وهوس الاكتشاف، ذلك الشّغف الذي طوّقني حينها فغلّف لُبّي والتهم كل تفكير منطقيّ وكل رجاحة عقل ورشاد فكر، كنت أريد لمس كل شيء بيدي ورؤية كل شيء بعيني بعيدًا عن النظريات الجامدة والمسائل الجافة، بعيدًا عن القواعد الباهتة والكلام الكثير، لأنّي آمنتُ دائمًا بمقولة المؤلف “جول باركر”:
Vision without action is merely a dream. Action without vision just passes the time. Vision with action can change the world

فجعلتها مبدأ حياةٍ، وبوصلةً أبحث بها عن الصورة الكاملة فلم أكن أهتم لشيء غير ذلك، ووحده الواقف أمامي كان بإمكانه أن يلمح تلك اللمعة في عيني وقتها ويكأنّي أقطف أوّل نجمة بأناملي!

لقد كانت وما تزال الحبل الذي يربطني بهذه الحياة بشدّة رغم كل العقبات والعوائق والانكسارات التي واجهتها، ولو كانت لي حياة أخرى لما اخترت غيرها مجالاً لأدنو من عظمة الله باعًا، لأستشعر قلة حيلتي أمام عظيم قدرته، وضعفي أمام تمام قوّته، وجهلي أمام سعة علمه وبديع خلقه، وذبول همّتي أمام وعارة الطريق إليه! لطالما أردت أن أمنح قلبي لكل شخص في هذا العالم ولو للحظة ليُبصر هذه الزاوية الفاتنة كما أُبْصِرها؛ ليجرّب ذلك الجوع والنّهم الذي يجتاحني حين أقف أمام عتباته، ليستشعر رفّته وانتعاشه وارتعاشه، خفقاته المتسارعة ووقفاته حين يلامس تفاصيل جديدة، حين يضع الخطوة ليتقدّم فيجد نفسه بدل ذلك يرتقي، وكأنّه تجسيد لقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، حين يغترف معارف ويُعايش تجارب تتغلغل بين ثناياه وتوغل في شِغافه لتسلبه لبّه، فتسقط كل شيءٍ عداه.

فإن كانت تلك حال فتاةٍ في مُقتبل العمر تقفُ على شقٍّ ضيّقٍ جدًّا من أبواب العلم الواسعة، فلا تلومنَّ إذن قلب الباحث إن فُتن، أو هو عن معايير مجتمعاتكم قد غَوى، أو عن قطار الزّواج  تأخّر أو عن ميادين اللهو أو مساحاتِ الأنس حاد أو انعزل، لا تلومنّه إن اجتاحته الغربة وطوّقته، إن اجتثّته العزلة من وسط الجموع، إن هو تخلّى فأسرف أو زهد فما استوحش، إن لم يَستسغْ بأيّ شكلٍ من الأشكال ما يُفرض عليه فرضًا أو إن لم يتمثّل ذهنه ما اضطر إليه اضطرارًا، فطريق العِلم مغمورٌ بأسرار تأسرُ الألباب وتحبسُ الأنفاس وتُعجز الألسن وتسقط كلّ وحدات الزّمان والمكان، وكأنّها تهمس له مع كلّ سحبة هواءٍ: “هِيتَ لك”، “خلِّ نفسك وتعال إليَّ، اُتركْ ترفك واُهجرْ أرضك واِنسكِبْ في بحور العِلم علّك معها تمتزجْ!”… فإذا واجهها ارتعش واختلّ ميزانه ويكأنّه منضبطٌ بموازينها، فإنْ خالفها غلبته وإنْ عاندها تجاهلته، وبنار جحيمها يصْطلي إن هو عنها ولّ مُدبرًا بعد فرطِ إقبالٍ، لا يُنجيه منها إلا لقاء ربه ليجتمع عنده الحقُّ والحقيقة. 

وهو ذا العلم محبّة وأنسٌ، ريٌّ ونورٌ، شغفٌ واستمتاعٌ، ذروة سِنامه الإخلاص وعماد آدابه التفرّغ، يرقّق القلب ويدفع عنه المَراء، مفتاحه الإقرار بالجهل والتأدّب في الطلب فانظر لأدبِ سؤالِ الكليم في قوله تعالى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}، ولم يكن -عليه السّلام- يطلب شيئًا سوى غرفة من كأس علم الله الذي يغترف منه كلّ باحثٍ مُتعطّش. فترك نبع الحياة خلفه وهرول خلف تعطُّشِه للحقّ مُردّدًا {لا أبْرَحُ حتّى أبلغَ}، فمن كان من أهل العِلم لم يأْبه للدنيا إن هي أَلقت حظوظها أمامه، بل يرى المال والجاه والقوّة والمناصب أدنى منه فينأى به عنها، وعن التوسّل والتبذّل والطّلب، وإن ركنَ لها زلّ وظلّ، ومن أحسنُ حظًّا ممّن كان وريث الأنبياء!

“خُذنِي إليك

ودُلّني 

إن صرتُ في تيهٍ

عليك

وأَحيِنِي

بالنّور

إن غَفَلَ الفُؤاد

فقد بسطتُ

يدي 

واجعلْ نداء القلبِ

في خفقانه

لبّيك”

نقلا عن مدونات الجزيرة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى