مدونات

كأن لا سبب للموت سوى الفيروس

رشا عمران

انتشرت، أخيرا، على صفحات العالم الأزرق، تدوينةٌ منسوبة لعالم الفيروسات الفرنسي، صاحب “نوبل”، لوك أنطوان مونتانييه، “كل الذين تلقوا لقاحا ضد فيروس كوفيد 19 سوف يموتون بعد عامين، والبشر يجب أن يكونوا مستعدّين لحرق الجثث”. تبين أن التدوينة غير حقيقية. كل ما في الأمر أن العالم “معارض للقاح”، قال، في مقابلة مصوّرة: “اللقاحات هي التي تسبّب نشوء متحولات الفيروس، ومعدلات الوفيات ترتفع في الدول التي ترتفع فيها معدلات اللقاح. وبالتالي، لا أمل بالشفاء الكامل من الفيروس. الأفضل هو الحصول على المناعة الطبيعية بدل حملة التلقيح”. لم يذكر مونتانييه شيئا عن موت الحاصلين على اللقاح بعد عامين، لكن الحملة المضادّة للقاح في العالم، ومن ضمنها علماء فيروسات مشهورون، تلقفت تصريح العالم الشهير، وتناقلته محوّرا، ومضافا إليه ما يخدم حملتها، وانتشر بهذا الشكل الهائل والمخيف في العالم.

حسنا، لن يموت البشر بسبب اللقاح إذا، مع أن هناك من ماتوا بعد أخذه مباشرة، نتيجة طبيعة الجهاز المناعي لدى بعض الأجسام، وهي الطبيعة ذاتها التي جعلت الفيروس شرسا على أجسام، وحنونا على أخرى. الجهاز المناعي لكل جسم هو الذي يحدّد ماذا سوف يحدث لهذا الجسم أو ذاك. ولا علاقة لهذا أيضا بفرضية أن الفيروس مصنّع ومتسرّب من مختبر فيروسات صيني، يضم عادة علماء من كل العالم، أو أنه فيروس ذو منشأ حيواني انتقل إلى البشر، مثل فيروساتٍ أخرى كثيرة.

حسنا إذا، هناك من يموت بسبب الفيروس، وبسبب اللقاح. وهناك من يموت بسبب أمراض أخرى كثيرة علاجاتها غير متوفرة على الرغم من التقدّم المذهل للعلم، وهناك من يموت بحوادث النقل المختلفة، وهناك من يموت من الفرح. نعم حالات كثيرة في العالم شخّصت أن سبب وفاتها الإغراق في الضحك “مات من الضحك”. وهناك من يموت من الحزن، ومن يموت من العجز، ومن يموت من حوادث الطبيعة، ومن الاختراعات البشرية. وهناك من يموت في الحروب، ومن يموت في المعتقلات نتيجة التعذيب والإهمال. وهناك من يموت لأن طاغية ما لم يعجبه سلوك شعبه فقرّر إبادته، ومن يموت بسبب رغبة مافيات السلاح في زيادة أرباحها، فتفتعل الحروب والمشكلات والخلافات، ولا سيما الدينية والمذهبية، لتبقى هناك بؤر للصراع في أماكن معينة تتأجج وتخمد حسب رغبات شركات السلاح ومافياته. وهناك من يموت من الجوع حرفيا، على الرغم من أن ما يرمى من بقايا الطعام في مطاعم الدول الغنية ومطابخها يكفي لوقف زحف الجوع في العالم. وهناك من يموت بسبب الحروب البيولوجية بين الدول المتقدمة المتصارعة ظاهريا والمتحالفة ضمنيا ضد الشعوب الفقيرة ودول العالم الثالث. وهناك من يموت بسبب جرعةٍ زائدة من المخدّرات التي تسيطر على تجارتها مافياتٌ محميةٌ من النظام العالمي. وهناك من يموت من العطش، بسبب حروب المياه في العالم. وهناك من يموت من البرد نتيجة الاحتباس الحراري الذي تسبّبت به سياسات دولية خرّبت البيئة والغلاف الجوي. وهناك من يموت غرقا وقنصا وهو يحاول الهرب من الموت في بلاده، بحثا عن حياة آمنة وكريمة. وهناك من يموت قهرا من الذل الذي يتعرّض له من محيطه. وهناك من ينهي حياته بسبب الاكتئاب الذي لم يتمكّن الطب الحديث من إيجاد علاج نهائي له، وهناك من يموت من الحب والفقد وكسرة القلب، إذ “تعدّدت الأسباب والموت واحد”.

بيد أن البشر يعيشون كما لو أن الموت حدثٌ يخصّ غيرهم، وهم محميون منه. يعيشون كما لو أن حياتهم ممتدة إلى ما لا نهاية، يصرفون أوقاتا طويلة في الغضب والحقد والكراهية، أو تحت الضغط النفسي الشديد، أو في محاولة التأقلم مع صورةٍ لا تشبه طبيعتهم، لكنها تناسب المجتمع الذي يسعون إلى إرضائه، ولو على حساب أعصابهم. يعيشون في صراعات بشأن أشياء وممتلكاتٍ لا قيمة حقيقية لها سوى تعزيز رغبة التملك والسيطرة. يعيشون في صراع مستمر بين رغباتهم وسلوكهم، ما يسبب لهم مزيدا من الإرهاق والاضطراب النفسي اللذين يبعدان عنهم السعادة. يعيشون من دون أن يدركوا أن السعادة الشخصية هي في تبادل المحبّة مع الآخرين، والرضا والامتنان للحياة، وهي السر للروح المعافاة والحرّة، حتى بعد مغادرتها قميص الحياة. يعيشون في وهم القوة ووهم السيطرة ووهم الملكية والسعي إلى تحقيق ذلك كله على حساب الآخرين، لكن ماذا لو كان ما نقل عن العالم الفرنسي حقيقيا؟ّ لو كان البشر سيموتون بعد عامين؟ كيف ستكون الحياة خلال هذين العامين؟
نقلا عن  العربي الجديد 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى