مقالات مختارة

كان من الممكن تحقيق انتقال مدني في السودان لكن «حدث ما حدث»

الدعوة لوقف التفاوض وإسقاط المجلس العسكري عن طريق التصعيد الثوري لن يقود إلا لمزيد من الموت المجاني وتصفية الثورة، عن طريق تصعيد العنف من قبل المجلس، والذي لن يقود إلا للحرب الأهلية لا محالة، ولا يمكن إقامة حكومة مدنية تحت زخات الرصاص، حينها سيكون التفاوض الذي قد يمتد لشهور بين قوى الثورة المسلحة والمجلس العسكري حول تبادل الأسرى وإيصال المساعدات الإنسانية، وستكون شعارات مثل نقل السلطة للمدنيين مجرد ترف سياسي، من يدعو للتصعيد عليه أن يتحمل المسئولية الأخلاقية والكلفة السياسية لسقوط مزيد الشهداء.

هذا الأمر لا يعفي المجلس العسكري من المسئولية الجنائية حول كل هؤلاء الشهداء وضحايا الثورة، ولا يعفي قادته من المساءلة أمام المؤسسات العدلية المحلية والدولية، لكن نحن نتحدث عن مجلس إجرامي انقلابي يريد أن يمتطي الثورة ليحتفظ بالسلطة مدفوعًا بتعطش قادته نحو كرسي الحكم، متسلحًا بمليشيات مستعدة لقتل كل الشعب لتحافظ على مكتسباتها وتحقيق أطماع قادتها، هذا المجلس الذي تدعمه محاور إقليمية لها مصالح وأطماع تريد تحقيقها دون مبالاة، بما يريده الشعب ولا دمائه، لا يمكن أن ننتظر منه أن يسلم السلطة نتيجة تصعيد ثوري دون مواجهة مسلحة؛ لأن تنحيهم يعني تسليم رقابهم لحبل المشنقة التي لن يتوانوا بإحراق البلاد لتجنبها؛ لذلك فإن مواصلة مسار التفاوض هو الحل الآمن للعبور للمرحلة الانتقالية التي تؤسس للحكم المدني لتخلصنا من سلطة العسكر، وفوهة البنادق، ولعنة الدم للأبد، وهي التي تبني مؤسسات العدالة التي تحقق القصاص لأرواح الشهداء، وتضمن عدم الإفلات من العقاب الذي يوقف نزيف الدم.

إن تدفق الجماهير، واستباق الحراك الثوري منذ ديسمبر من العام الماضي، للقيادة السياسية للثورة، هو مصدر نجاحها وتفوقها على سلطة الإنقاذ، ومن بعدها المجلس العسكري وأجهزتهم الأمنية، لكن بعد سقوط الإنقاذ وتنحي رأس نظامها وابتدار العملية التفاوضية، لا بد من تحمل قوى الحرية والتغيير لمسئولياتها في قيادة الحراك وتوجيهه وعدم خوفها، حتى وإن وصفها المغالون بالانبطاح؛ لأن من يتولى قيادة الجماهير عليه أن يتحمل الانتقاد والسخط أحيانًا في سبيل تحقيق أهداف الثورة، وفي الوقت نفسه لتقليل سقوط مزيد من الضحايا، ولا بد من توقفها عن التماهي مع الشارع دون خطة وبرنامج؛ لأنه أصبح رصيدًا مجانيًّا قابلًا للاستخدام والتعبئة من أي طرف، حتى أعداء الثورة والثورة المضادة الشعارات التي تدغدغ مشاعر الجماهير مثل القصاص والعدالة؛ لذلك لا بد من ضبط الحراك وتوجيهه بما يخدم أهداف الثورة ومواجهة الجماهير بهذه الحقيقة.

على قوى الحرية والتغيير أن تتحمل مسئولياتها تجاه مواجهة الجماهير بحقيقة ضرورة خفض التصعيد لإنجاز تسوية مع المجلس العسكري؛ إذ لا يمكن الانخراط في عملية تفاوضية من جهة، ومن الناحية الأخرى تدعو للتصعيد؛ ففي كل مفاوضات الدنيا بين الأطراف، وحتى تجاربنا السودانية الكثيرة، يخفض التصعيد أثناء الانخراط في التفاوض، وإلا عليها إلغاء العملية التفاوضية برمتها وإعلان التصعيد بهدف إسقاط المجلس العسكري؛ لأن من العبث استخدام أدوات متضادة لإنجاز الهدف نفسه.

الدعوة لخفض التصعيد ليست تخوينًا لأحد، ولا وصاية على الجماهير في اتخاذ خياراتها للتعبير، وليست دعوة للاستلقاء أثناء المعركة، لكن طالما أن قوى الثورة متمثلة في قوى الحرية والتغيير ابتدرت من الأساس التفاوض مع المجلس العسكري أداة من أجل نقل السلطة للمدنيين، فلا بد من الالتزام بهذا الخيار وأدواته؛ حتى تتحقق عبره أهداف الثورة أو اليأس منه والتحول لخيارات بديلة.

كان من المفترض أن تدخل قوى الحرية والتغيير جلسة مفاوضات يوم الثلاثاء – التي أعلنت تعليقها لاحقًا- وفي يدها الإعلان الدستوري المعدل، الذي نوقش بين مختلف المكونات، وحدث خلفه إجماع تام من الجماهير؛ فلن يكون أمام المجلس العسكري سوى قبوله، وبالتالي الانتقال لتكوين مؤسسات الحكومة الانتقالية، أو مواجهة غضبة الشارع، التي قد تطيح به، لكن التصعيد الذي حدث، وتعليق التفاوض من قبل الحرية والتغيير، المستفيد الأول منه، هو المجلس العسكري بصفته جاهزًا للتفاوض، لكن الطرف الآخر يرفض ليبقى مدة أطول في السلطة تتيح له تصفية الثورة، إما بتصعيد العنف وإما كسب الوقت ليتمدد في أراضٍ جديدة، تتيح له الاحتفاظ بالسلطة في حال قيام انتخابات صورية.

بقلم\ بسام الرشيد

المصدر: ساسة بوست

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات