مقالات مختارة

كشف حساب في ذكرى رابعة العدوية (2-2).. ياسر عبدالعزيز

بعد أن تم القبض على تشي جيفارا في مخبئه بوشاية من راعي أغنام، سأل أحدهم الراعي: لماذا وشيت برجل قضى حياته في الدفاع عنكم وعن حقوقكم؟.. فأجاب الراعي: كانت حروبه مع الجنود تروع أغنامي.

في الجزء الأول من هذا المقال ركزنا على الحاضنة الشعبية التي كان العمل عليها من قبل المقاومة السلمية المصرية من أولى أوليات المرحلة، ولُمنا المقاومة على ترك الملف للإعلام للتعامل معه دون دراسات دقيقة، على الرغم من أن هذا الملف من أكثر الملفات حساسية في معركة تحرير الوطن.

لكنه ليس الملف الوحيد الذي لم يقدر بالشكل الذي تستوجبه المرحلة، فلم تفشل المقاومة كما يحاول البعض إظهارها، ولا أرى في الاختلافات البينية مشكلة كبيرة ولا سببا في عدم تحقيق المقاومة نتائج ملموسة على الأرض حتى الآن، فأنا أرجع محاولة البعض تسليط الضوء على تلك الخلافات إلى أحد سببين، إما أن تكون صادرة من حاقد أو متخاذل أو ضعيف ركن إلى الاستسلام، ولا يريد أن لا يظهر وحده أنه سقط، أو أنها تصدر من مخلص للثورة له مآخذ مشروعة. وهذا يجب أخذ نقده بعين الاعتبار، والنظر في مآخذه ودراستها والوقوف على حلول لها.

وهنا يكمن أحد أهم مثالب من يقود مشهد المقاومة، فلا زلنا نقف عند موقف المجموعات الصغيرة، دون تطبيق الديمقراطية الداخلية في الكيانات، فالقرارات تتخذ من مجموعة صغيرة، هي نفسها التي كانت تقود المشهد قبل الانقلاب، وهو ما يعني أن فريق القيادة يذهب إلى الشيخوخة الفكرية دون أن يدرك عامل الزمن.

الملف السياسي مرتبط بشكل كبير مع معطيات عدة، وهنا وفي ظرفنا الاستثنائي، تتداخل العوامل ويصعب فصلها. فملف التعامل الجماهيري لا يبتعد كثيرا عن صناعة قيادة كارزمية، وبالمناسبة هو علم له شركات كبيرة في الغرب تعمل عليه، والعلاقات الخارجية للمقاومة أحد أهم الملفات المرتبطة والمشتبكة مع الملفين السابقين، ويخدم بالنتيجة على الملف الحقوقي.

وهنا لنا وقفة، فلا زالت المقاومة تتعامل مع الملف الحقوقي بسياسة رد الفعل، أي يعدم عدد من الشباب ثم يتحرك المختصون، إلا فيما ندر، كما أننا لا زلنا في مرحلة الدفاع، وهو ما لا يقلق النظام، فطالما أنه يقدم تنازلات للغرب، فدفاعاتنا لن تؤثر في رميه، وسيستمر.

الملف السياسي يفتقر إلى رؤية استراتيجية، أزمتها في التعريف، بمعنى أننا حتى الآن لم نعرف أنفسنا، أو بما يعرف بـ”من نحن”، وهو سؤال مبدئي يبنى عليه بطبيعة الحال كيف سنتعامل مع القضية وكيف سينظر العالم لنا.

لقد فاتنا الكثير، وفقدنا الكثير من زخم الشارع وفورته بسبب عدم تحديد ماهيتنا، المشاريع والبيانات وخرائط الطريق التي صدرت عن المقاومة لم تنفذ، والأطروحات التي قدمت لم ترقَ لرغبة جماهير الشرعية الثورية، وذلك لانشغالنا بقضية الاصطفاف، وكأنه الهدف، عن القضية الرئيسية، وهو ما جعل الجماهير الثورية، ومن بعدها عامة الشعب الذي يبغي الخلاص بعد أن كشف النظام عن وجهه الحقيقي القبيح، تفقد الأمل في حل قريب، وفي نفس الوقت بدأت تستشعر أن هناك جهات تتلاعب بالملف المصري، ومن ثم تتلاعب بمن يقود المشهد فيه، وهو ما يعني أن تقديم وجوه جديدة برؤى وطنية بعيدة عن أي تجاذبات إقليمية هو أحد الحلول المنتظرة من قيادة المقاومة.

إن مقولة أن جذوة الثورة انطفأت هو أبعد ما يكون عن حقيقة وواقع الثورات، والحديث عن أن ما حدث في مصر لم يكن ثورة بالمفهوم العلمي، هو حذلقة في غير موضعها، ولا يوصف صاحبها إلا بالمثبط.

بمزيد من الجهد وتنوع السياقات والعمل بالتوازي على مسارات مختلفة وتشكيل لجان متخصصة، مع الاستفادة من جهود المخلصين لهذه الثورة، يمكن أن نقدم الكثير في سبيل تحرير وطننا، حقيقي أن فرصا كثيرة قد فاتت، إلا أن الحياة تزخر بأكثر مما فات، واقتناص الفرص والاستفادة من المواقف سمة تنقص أصحاب القرار في المشهد الثوري، وفتح المجال أمام الكل ليعمل والتنازل جزئيا عن قيادة كل المشهد. وطالما أن الكل يعمل في مصلحة الثورة، يمكن أن تستعيد الثورة فورتها وتنتج آثارا على المستويين المتوسط والبعيد، وقتها فقط لن يشي الراعي على جيفارا وستنتصر الثورة.

نقلا عن عربي 21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى