مدونات

كم نحنا ضعفاء .. والله غالب

سعدية مفرح - العربي الجديد

كل عام وأنتم بخير وصحة وسلامة.. وهذا لسوء الحظ لا يحدُث دائما، لكننا نكرّر التهاني على سبيل الأمنيات المستمرّة فرديا وجمعيا، فما زالت الأمنيات قادرةً على أن تقيم أود الحياة، وتجعلنا أكثر قدرةً على تحمّل ما يواجهنا فيها من مشكلاتٍ ومصاعب.

للعام الثاني على التوالي، نستقبل رمضان مكبّلين بقيودٍ فرضتها علينا الجائحة التي اتسعت رقعتها، وتمدّد وقتها كثيرا، وبشكل لم نكن نتوقعه في البدايات. لكن التجربة الاضطرارية التي وجدنا أنفسنا نعيشها مستمرة. وما كان بعيدا أصبح قريبا.. في المرض والموت أيضا، وفي بشائر النجاة هنا وهناك.

هل يحق لنا الآن أن نتحدّث عن خلاصات التجربة، أو عن دروسها، ونحن ما زلنا في خضمها؟ الدروس انهالت علينا منذ اليوم الأول للجائحة، ولكنها متغيرة ونحن متغيرون أيضا، فلا شيء ثابت تحت ظلال فيروس أنتج مزيدا من الفيروسات الاقتصادية والاجتماعية، وحتى السياسية، ففي وقتٍ بدأنا إحصاء خسائرنا الشخصية بسبب كورونا، على صعيد المرض والموت تحديدا، كان كثيرون في العالم كله يتحسّسون جيوبهم، وما تبقى فيها من أموالٍ لمواجهة المجهول. ويبدو أن هذا أحد الدروس المتأخرة لهذه الجائحة التي عطلت كل شيء تقريبا، فقد فقد كثيرون أعمالهم، وبالتالي مصادر أرزاقهم، بعد أن أغلقت شركاتٌ ومؤسساتٌ كثيرةٌ أبوابها، أو قلصت أعداد العاملين فيها لمواجهة الخسائر الملحّة بسبب الإغلاقات الكلية والجزئية في العالم كله. قصص كثيرة نعيشها ونتعايش معها ونسمع بها، نتجت عن هذه الإغلاقات، وكلها تشير إلى أننا ضعفاء أكثر مما كنا نتوقع. ضعفاء بالقدر الذي تتحكّم فيه بنا أسبابٌ لم نكن نتخيل أنها يمكن أن تعيقنا عن ممارسة أعمالنا إلى الدرجة التي تتعطّل فيها مسارات هذه الأعمال كليا، ما يجعلها تموت، فنموت معها ونحن على قيد الحياة.

أكثر ما يؤلمني، هذه الأيام، سماع قصص هذا النوع من الموات المجتمعي الذي أصبح مصيرا لكثيرين جدا، منك وفيك وحولك؛ أهل وأصدقاء وزملاء ومعارف من كل الأعمال والأعمار والجنسيات، وخصوصا من شرائح مجتمعية، لا تغطّيها الحلول الرسمية أو الحكومية التي توفرها الدولة لمواطنيها، كشريحة البدون، غير الحاملين أي جنسية، وشريحة الوافدين العاملين في البلدان الخليجية على سبيل الإقامة المؤقتة، وربما الدائمة مثلا، فقد فقد كثيرون من هؤلاء أعمالهم في فترة هذه الجائحة الثقيلة، وطاول ذلك المصير المؤلم، حتى الذين يعملون في وظائف ظنّوا أنها في مأمنٍ من المخاطر، لعدم تقاطعها بشكل مباشر أو واضح مع معطيات الجائحة.. ولكن يبدو أن الخطر يحدُث بالجميع نسبيا. والقصص كثيرة وموجعة فعلا. إذ يفقد رب الأسرة العمل فجأة. لا بسبب تقصيره، بل بسبب الظروف التي يتعرّض لها مصدر هذا العمل، فتتوقف الحياة كلها في بيته، فراتبه من هذا العمل هو كل موارده المالية في الحياة. وبواسطته، استطاعت أسرته أن تستمر في مناشطها في العيش والدراسة والتطبيب، وغيرها من مناشط ضرورية. ما يجعل التفكير بخيارات الهجرة، بعد فقدان مصدر الرزق الوحيد لأسرة مثل تلك الأسرة، طبقا جاهزا على مائدة النقاشات اليومية في المصير. وفي خضم النقاشات التي تدور، يحدُث أن تنشط الذاكرة في إحياء المشكلات القديمة والصعوبات المهملة، ليصبح التحدّي أكبر وأصعب. وهو ما أصبحنا نشاهد نتائجها في المحاكم ما بين طلاق وانفصال، بالإضافة الى نتائج أخرى وراء أبواب البيوت الموصدة على حالات المرض والاكتئاب والخيارات القاسية الأخرى.

إلى أين تسير بنا هذه الجائحة بالضبط؟ قد تنتهي فجأة أو ننجح في السيطرة عليها بواسطة اللقاحات، وغيرها من الحلول الطبية ، ولكن ما تركته في أعماق البشرية أكبر بكثير مما نتوقع .. والله غالب!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات