مدونات

كنت حائراً ومتردداً.. لكن هكذا أعاد إلي صديقي ثقتي بنفسي

روضة علي

ليس أصعب من ظروفٍ تجبر الإنسان على ادعاء ما ليس فيه أو تبنّي ما ليس له، فالصراخ للهادئ والحُلم للعصبي والمغامرة للخائف وكل ما هو غير اعتيادي وعفوي؛ يصعب انتزاعه من جوف الإنسان، كاقتلاع فريسة من فك أسد!

وها أنا أقف على مسرح الجامعة في حفلٍ قالوا عنه إنه حفل تخرجي؛ ليتم تكريمي كأحد المتفوقين، وبغير ترتيب يطلبون مني إلقاء كلمة على الحضور، ولكن..

ولكن أنا لا أجيد إلقاء الكلام المنمق، ولا أعرف ما يجب أن يقال في مثل المواقف، لا أعرف سوى أن أُحدثَ نفسي.. وإذا بالحضور ينظرون إلىّ في تأهب، وبيدي ميكروفون تتعرق أصابعي عليه، وتكاد قدماي تسقطان من فرط الارتجاف، وتهرب كل الكلمات من عقلي كلما حاولت إمساكها.

فأنا شاب لا أقـدِم علي المغامرة ولا تقدم عليّ، في سنٍ قالوا عنها سن الجنون والمغامرة والتجارب اللامتناهية، ولكني لا أتحرك إلا بحساب فلا مجال عندي للتجارب غير المضمونة؛ في وسطٍ كل من حولي يركض به بلا مبالاة للعواقب.

أنظر كثيراً إليهم بغبطة وأتساءل: هل التجربة بلا حساب ممتعة؟ هل الاستغراق في الصداقة والحب جميل؟ وأنظر بداخلي فأجد خطوات محسوبة تخاف مخالفة الطريق المرسوم.

حتى الصداقة لم تتمكن منِّي، لم أعرف معنى العلاقات القوية والمحادثات الطويلة وأسرار الأصدقاء، كنت أرضى بما تعطيه الحياة لي، زملاء المدرسة والجيران الاعتياديين وتجمعات الأقارب والأهل، فكان لي حظّ من زَبد الصداقة ولكني لم أحظَ بصديق.

ودخلت الجامعة، مرحلة قد تبدو عادية ولكن كانت مفترق طرق لي، ولا توجد مفاضلة بين الطرق فجميعها غير واضحة العواقب تملأها الاحتمالات والشك، وقررت أخيراً الانتماء لكلية الفنون!

لكنها لا تبدو كلية مناسبة لهذا الشخص الهادئ الذي يسكنني، وقد ظهر هذا بعين أبي التي ملأها العجب والشك حين صارحته برغبتي فتشكك متسائلاً:

* هل أنت متأكد من رغبتك في دخول كلية الفنون يا فارس؟

فقلت في تردد:

– نعم يا أبي متأكد، فأنا أهوى الفن والرسم.

* فقال بصوت قاطع: ولكن الحب ليس كافياً لتقرير مستقبلك يا بني.

 «نعم الحب ليس كافياً ولكن ما الكافي؟ ما الذي يريده العالم منِّي؟ هل أختار ما أريد وأغامر أم أخضع لرغباته؟ هذه أول مغامرة أخطوها بقراري، نعم أنا لا أجيد الرسم كالفنانين ولست مجنوناً مثلهم ولكن في نفسي شيء منها..».

حدثتني نفسي الخائفة أن أتراجع، خاصة أن اختياري لم يكن بترحيب العائلة؛ فوالدي يعمل طبيباً وأمي تعمل موظفة في أحد البنوك، فأي فنٍ أهواه أنا؟!

ولكني قررت المضي قدماً رغم نفسي المترددة، وقدمت في اختبارات القبول للكلية ونجحت بها على غير المتوقع. فرحت حينها كما لم أفرح من قبل وانتابني شعور الانتصار في معركة وطيدة، ولكن لم أعلم على مَن انتصرت تحديداً. 

ولم تطِل سعادة الظفر عندما بدأت الدراسة، فأصبحت أيام الجامعة ثقيلة، كانت تحاول انتزاع شيء ما بداخلي وأنا أقاوم. إذ لا يستمتع بهذه المرحلة سوى المغامرين الذين يشاركون في كل النشاطات بلا تردد ويخوضون التجارب بلا خوف ويصادقون جميع الناس بلا قلق، أما أنا فأذاكر المحاضرات في رتابة وملل.. فأين روح الفنان؟

إن الفنان بطبعه مجنون وقلق، يركض بلا هوادة، فلماذا أنا الهادئ هنا بين هؤلاء المغامرين؟

حتى تخليت ذات مرة عن فرديتي وقررت عمل مشروعي الفني مع مجموعة من الزملاء، كنت غريباً بينهم في البداية ولكن أحدهم رحب بي كثيراً!

كان شهاب أحد أفراد المجموعة، بل كانت تبدو عليه القيادة، كان قائدهم عن حب منهم، وجدت فيه صفات تمنيتها في نفسي، كان ذلك الفنان المجنون الذي أطمح إلى أن أقلده؛ يصعد على المنصات بلا خوف ويلقي الكلمات، يناقش الأساتذة بجرأة وفكاهة.

وكاد إعجابي به يتحول إلي سخط لعجزي عن تقليده، إلا أنني قررت المغامرة للمرة الثانية ودخول مجموعة شهاب، علّ يصيبني منه عدوى المغامرة.

وبدأت اجتماعات الفريق لمناقشة الأفكار، وإذا بي أجدني أعرض أفكاراً فنية راودتني كثيراً، وجدتني أتحدث عنها بطلاقة وفصاحة، كأنني لم أسمع صوتي منذ أمد بعيد، كانت الكلمات تَخنق حنجرتي وهاهي خرجت أخيرًا.

بعدما انتهيت شعرت بخِفةٍ في التنفس، كأن الهواء يدخل إلى رئتي لأول مرة.

وأعجِب الفريق بفكرتي وقرروا تنفيذها، وشعرت للحظات أنني فنان كبير، ذلك الفنان الذي طالما فتشت عنه وشككت بوجوده، لقد حضر الآن وما كان يريد سوى فرصة.

وتغير الحال وعشقت مجالي وكليتي، ووجدت الصديق الذي استحق مغامرتي لأجله، فكان شهاب مختلفاً عمن قابلتهم، كان معجباً بي وبأفكاري، كان في صدارة المشجعين لي، حتى قال لي ذات يوم وكأنه يفصح عن سر دفين:

 – تمنيت أن تصبح صديقي منذ أول لقاء بيننا يا فارس.

 فقلت في دهشة وابتسامة تلقائية:

– حقاً! لم أعلم أن بي ما يستحق الإعجاب، حتى إنني لست مغامراً جريئاً مثلك.

– لكلٍّ منا مغامراته الخاصة مع نفسه وفي محيطه يا فارس، فلا تتشابه طرقنا ولا أولوياتنا ولا ردود فعلنا، وبها تختلف أشكال مغامراتنا، لسنا متشابهين ولن نكون، وهذا هو سر إعجاب البشر ببعضهم.

تذكرت هذه الكلمات وأنا أمسك بالميكروفون في حفل التخرج، ومازال الصمت سائداً لألقي كلمتي وهمت الكلمات أن تخرج من فمي، فرحبت بالحضور، وتكلمت كأنني وُلدت على خشبة مسرح:

«بعد خمس سنوات في الجامعة تعلمت فيها معنى المغامرة والتجربة، وخضت الفشل الذي كنت أهابه والنجاح الذي تمنيته، تعلمت معنى الاختلاف وأنه لا يوجد مقياس أو شكل ثابت للفنان؛ بل إن العبرة في تباين طرق الوصول، فكلٌّ يغامر على طريقته الخاصة».
نقلا عن .. عربي بوست 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى