مدونات

كن حذراً ممن تشكمه! بلال فضل

منذ اللحظات التي أعقبت خلع حسني مبارك في 11 فبراير 2011، كان هناك استقتال من كافة أجهزة الدولة المصرية في التأكيد على أن حرق الكثير من أقسام الشرطة وبعض المؤسسات الأمنية والقضائية، لم يكن فعلاً شعبياً عفوياً، بل كانت وراءه مؤامرة ممولة من الخارج شاركت فيها جهات متعددة على رأسها حركة حماس وحزب الله، قبل أن يتم ضم جماعة الإخوان لتلك المؤامرة لاحقاً، والمفارقة أن ذلك الضم الإعلامي بدأ في الفترة التي كان الإخوان فيها في عز التحالف الوثيق مع الجيش، وقبل وصولهم إلى الحكم في 2012، وهو تطور خطير لم يقرأه قيادات الإخوان جيداً، برغم علمهم أن الأصوات الإعلامية التي كانت تروج لضلوعهم في حرق الأقسام واقتحام السجون، لم تكن أبداً لتقول ذلك من تلقاء نفسها.

لم يكن ذلك الاستقتال في التأكيد على نظرية المؤامرة مجانياً أو بريئاً، لأن الإقرار بشكل صريح أو ضمني أن أقسام الشرطة تم حرقها بأيدي عامة المواطنين الذين اكتووا بنار ضباط الشرطة وظلمهم وفسادهم، له معاني كثيرة أهمها الإقرار بقدرة عموم الناس على الفعل، وتحويل عبارة “الشعب ركب خلاص يا باشا” إلى حقيقة مثبتة في التقارير الرسمية، وهو ما لا يمكن أن تسمح به العقلية الحكومية المتعفنة منذ سبعة آلاف سنة وأكثر، والتي تقدس قيمة “الورق الرسمي” المدموغ بالأختام الميري والغرقان في الكذب وإنكار الحقيقة، والتي تعرف أيضاً أن التاريخ لا يكتبه فقط المنتصر، لكن في أغلب الأحيان تكتبه الوثائق الرسمية المتاحة.

مع استمرار الفراغ الأمني المتعمد والخسيس طيلة الشهور التي أعقبت خلع مبارك، بدأ كثير من المواطنين في تبني نظرة الدولة لما جرى في يوم جمعة الغضب من حرق للأقسام، لأن ذلك يمكن أن يؤدي في ظنهم إلى استئناف الحياة من جديد وإلى أن “تدور العجلة من تاني” تلك العبارة التي كان كثير من الثوار يسخرون منها، دون أن يدركوا أنها كانت مفتاحاً مهماً لعبت عليه الدولة المصرية لاستعادة حضورها ثم استعادة قدرتها على البطش.

كان بعض المواطنين الذين ساهموا بشكل تلقائي في محاصرة واقتحام بعض أقسام الشرطة، يتناقلون في الشهور الأولى التي أعقبت خلع مبارك، قصصاً عن الضابط الفلاني الذي هرب بالفانلة والكلوت من القسم، وكيف قاموا بحمايته من بطش الغاضبين، وعن الأهالي الذين بكوا من الفرحة وهم يدخلون إلى القسم الذي طالما تم تعذيب أبنائهم فيه أو فرض الإتاوات عليهم بداخله، لكن هؤلاء أنفسهم ومع انتشار وتسييد السردية الحكومية التي تتحدث عن مؤامرة حرق الأقسام، أصبحوا يرددون قصصاً عن وجود أناس لكنتها غريبة كانت مندسة وسط المتظاهرين الذين حاصروا الأقسام، وأنهم الذين شجعوا على حرق الأقسام، وبدأ هؤلاء يكثرون من استخدام منطق “احنا والشرطة والجيش اخوات ومالناش غير بعض”.

لم يغير هؤلاء خطابهم، لأنهم كذابون أو مخدوعون، ولكن لأنهم بشر “موقوف حالهم وملوي دراعهم”، زهقوا من إحساس الفوضى والإشاعات وأخبار سرقة السيارات وخطف الأطفال من المدارس، ولم يعودوا يجدون بهجة في الحديث عن ليالي السهر في اللجان الشعبية، التي كانت بالنسبة لهم “تجربة وعدّت”، لكنها ليست جزءاً من خيالهم السياسي ولا من تصورهم للواقع ولا من أملهم في المستقبل، الذي لا يفهمون كيف يمكن الاستغناء فيه عن الشرطة، كما يتحدث بعض الثوار المتحمسين، الذين كانوا يزايدون على من يتحدث عن مبادرات إصلاح الشرطة، ويعتبرون ذلك حلماً مستحيلاً، لأن الحل في رأيهم هو الخلاص من جهاز الشرطة بأكمله.

بالطبع، يمكن لمن شارك في محاصرة أو حرق قسم شرطة تم تعذيبه فيه، أو فرضت عليه إتاوات من ضباطه، أو لمن شارك في ضرب ضابط فاسد على قفاه وتجريسه أو قام بتصوير هذا الضرب وذلك التجريس، أن تتراجع مركزية تلك الأحداث عندهم، لتنتقل من صدارة تفكيرهم إلى أرشيف تفكيرهم، فيستدعون بعضها حين اللزوم فقط، إما بغضب أو ببهجة أو بحذر أو حتى بندم، لكن الضابط الفاسد أو الظالم يستحيل أن ينسى ذلك الحدث أو أن يضعه في أرشيف تفكيره، وسيظل يتذكره طيلة الوقت، ولذلك هناك كم كبير من القصص عن تصفية الحسابات التي قام بها الضباط العائدون إلى مواقعهم الأمنية مع أناس شاركوا في لحظة إذلالهم أو شهدوا عليها.

يمكن في ظل هذا أن تفهم ذلك التنكيل بكل من تصدر المشهد في ثورة يناير، والذي لا زال يمارسه ضباط الأمن الوطني العائدين إلى مواقعهم، خصوصاً بعد مظاهرات سبتمبر في العام الماضي، خاصة أن هناك من بين هؤلاء من يتعرضون للتنكيل دون أن يمثلوا خطورة حقيقية على نظام السيسي، وبرغم إعلانهم الانسحاب من الحياة العامة والتفرغ لحياتهم الخاصة، ومع ذلك يسمح نظام السيسي لضباط الأمن الوطني بتصفية حساباتهم مع هؤلاء، كمكافأة شخصية لهم، ليعلنوا عن حضورهم ويثبتوا تفوقهم وانتصارهم، في الوقت الذي يقوم فيه هؤلاء برد الجميل للسيسي، بفرض حالة من البارانويا “والسيكَبة”، تليق برأس النظام الذي تعرض من قبل لأكثر من محاولة اغتيال، وبرغم فشل تلك المحاولات، التي فشل أغلبها في مرحلة التخطيط المبكر، فإنه يعرف جيداً أن العداوات التي تورط فيها بفضل قتله وقمعه للآلاف، ليست من ذلك النوع المباركي الذي ينتهي باللعب في المناخير خلال التواجد في قفص الاتهام.

إن البلد ستواصل العيش في حالة التحلل التي لم تعد حالة بطيئة كما كانت في عهد مبارك، فقد تسارعت درجات التحلل والتفسخ بشكل مفزع، وهو ما قد يجعل انفجاراً كالذي حدث في 28 يناير 2011 رفاهية، لأنه كان دليل حيوية ورغبة في الإصلاح والتغيير

لا يمكن أن تطلب من ضباط السيسي القدامى أو العائدين إلى أماكنهم أن يتخلصوا من مشاعر النشوة بالبطش التي لا يتحكم فيها العقل، بل تدفعها الغريزة، فما يعيشونه هو حالة شهوة لا يمكن أن تمنطقها أو تطلب من المصابين بها أن يتعقلوا، وكلما كتب أهالي المظلومون أشياء من نوعية “نشكوكم إلى الله.. هتروحوا من ربنا فين.. تنام عينك والمظلوم منتبه.. حسبنا الله ونعم الوكيل”، وما إلى ذلك، تزيد حالة الشهوة لدى الباطشين، لأن هذه الصرخات تعني بالنسبة لهم تأكيداً على قلة حيلة المظلومين الذين لم يعد لديهم إلا الحوائط ليخبطوا روؤسهم فيها، ويمشوا إلى جوارها أو بداخلها إن أمكن، وللأسف يتصور البعض أنه كلما زادت حرقته في شكواه، وكلما زاد من خطابه العاطفي في الحديث مع ظالمه، كلما زادت فرصة تأثر الظالم بشكواه، مع أن العكس تماماً هو ما يحدث، لأن هذا الخطاب العاطفي المنسحق يغذي تصورات الظالم عن نفسه كوحش ضارٍ، وهو ما أشار إليه إلياس كانيتي في كتابه المهم (الجماهير والسلطة)، حين تحدث عن غرام أصحاب السلطة دائماً بتشبيه أنفسهم بالأسود، لأنهم يتصورون أن من مميزات الأسد أنه لا يختبئ لاصطياد فريسته، وأنه ينقض عليها بشراسة ودون رحمة.

كنت منذ فترة أطالع أرشيف صحيفة (الأهالي) في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي، وكانت وقتها أجرأ صحف المعارضة في عهد مبارك، ولفت انتباهي الكم المذهل للشكاوى التي نشرتها الصحيفة عن حالات الظلم والتعذيب والافتراء على الخلق في أقسام الشرطة، وهي شكاوى لم يكن يأتي عليها ردود أو توضيحات من العلاقات العامة في وزارة الداخلية، ربما لإدراك قيادات الداخلية وضباطها أن عواقب ظلمهم ستتبخر في الجو، وأن المظلوم سيكتشف سريعاً عبث الشكوى لغير الله، وسيكون آخره الاستماع إلى مواويل حزينة، وهو يشرب كوباً من الشاي، خلال استناده على حائط الصبر الذي قرر أن يمشي بداخله بقية عمره، ويوصي أبناءه بالمشي داخله بقية عمرهم، وبالتأكيد لم يكن هناك ضابط من الذين تحدثت عنهم تلك الشكاوى، والتي كانت فعلاً شجاعاً لم يقم بفعله آلاف غيرهم من المظلومين، يتخيل أنه سيأتي يوم، يزهق فيه المظلومون من الاكتفاء بالشكوى أو الامتعاض الصامت أو الضحك على وجعهم لكي يمر، وأن المسألة يمكن أن تصل إلى ثورة شعبية يتم فيها حرق أقسام واقتحام سجون وإذلال ضباط شرطة دون الفتك بهم.

ما يقوم السيسي بفعله منذ سنوات عبر سياساته الأمنية والإعلامية، هو العمل على ألا يتكرر ذلك الغضب الشعبي من جديد، وأن يصل للناس انطباع أن عدد القتلى الذي يمكن أن يحدث لو كرروا ما قاموا به في يناير 2011، سيجعلهم يعيشون في أجواء سوريا وليبيا والعراق واليمن، لكن أشاوس السيسي المهووسين بالسيطرة التي يتوهمون أبديتها، ينسون أن تلك الدول التي يخوفون الناس من مصائرها، وصلت قبل لحظات الانفجار إلى مستوى مذهل من القمع، أمسك فيه قادتها بمفاتيح كل شيء في البلد على كل المستويات، وأن انفجار تلك الدول بالشكل المحزن الذي نرى مضاعفاته المستمرة، لم يحدث لأنه كان بها قانون محترم وحرية مكفولة ومجال عام مفتوح وقضاء مستقل ولو إلى حد ما، بل حدث لأن القانون فيها تم إهداره وتحويله إلى مسخ مضحك، والقضاة تحولوا إلى مخبرين، والمجال العام تم خنقه ومصادرته، والصحف أصبحت نشرات مقيتة والبرامج تحولت إلى بؤر تعريصية ونفاقية مكثفة.

ما لا يدركه السيسي ومماليكه، أنه إذا حدث وكان حظهم أفضل من حظ حكام الدول التي يحذرون الناس منها، ولم تشهد مصر لحظة انفجار مماثلة، لأسباب تتعلق بتكوينتها الاجتماعية الخاصة، فإن البلد ستواصل العيش في حالة التحلل التي لم تعد حالة بطيئة كما كانت في عهد مبارك، فقد تسارعت درجات التحلل والتفسخ بشكل مفزع، وهو ما قد يجعل انفجاراً كالذي حدث في 28 يناير 2011 رفاهية، لأنه كان دليل حيوية ورغبة في الإصلاح والتغيير، وحينها لن تستطيع كحاكم أن تفخر بإنجازك الذي جعلك تقتل أي حركة يمكن أن تحصل في البلد، لأن البلد بشعبها بأحلامها بإمكانياتها المعنوية والبشرية، تكسّحت وتفسّخت، وسيصبح ثمن خلاصها من هذه الحالة المزرية أشد وأنكى، وهو ثمن كالعادة سيدفعه الجميع مؤيدين كانوا أو معارضين، داعمين للقمع أو مكتوين بناره.

والله أعلم.

نقلا عن العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى