مدونات

كيف يعمل العقل العسكري؟.. رؤية من الداخل..ياسر كمال الغرباوي

قررت اليابان رفع الراية البيضاء والاستسلام لدول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية لتنسحب من الساحة العسكرية بعدما لحق بها الأذى البالغ والكبير من جراء الحرب، فكان الرد الأمريكي هو الهجوم النووي على هيروشيما وناجازاكي في أغسطس 1945!، وانهزمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وقررت الانكفاء على نفسها وإعادة بناء ما دمرته الحرب فكان الرد من الدول الأوربية المنتصرة هو فرض الغرامات الباهظة على الألمان واقتطاع أجزاء من التراب الألمانى لصالح الدول المنتصرة والقيام بطلعات جوية من الدول المُنتصرة لتدمير المتاحف والمعامل الألمانية لتحقيق أكبر قدر من المهانة والإذلال للشعب والأمة الألماني!

فى حرب الخليج الثانية في العام 2003 قدم العراق تنازلات ضخمة للمجتمع الدولى وفتح منشأته العسكرية للتفيش وأخضع كل مفاصل الدولة السيادية للرقابة الدولية ولكن أصرت القيادة العسكرية الأمريكية وحلفاءها على تفكيك وتدمير العراق بشكل كامل!

عقل صفري

كل ما تقدم يؤكد لنا أن العقل العسكري عقل صفري أُحادي النظرة لايؤمن بالحلول التفاوضية ولا يعمل بفلسفة دع الجميع تركويربحون في النزاع، وإنما النفسية العسكرية قائمة على فكرة مركزية وهى لابد من تكسير عظام الخصم وشل حركته، وتدمير قدرته على الحركة، وضرب نقاط قوته بقسوة، ثم بعدها يبدأ التفاوض والحوار، وهذا السلوك قد يكون مفهوم في ساحات المعارك.

المشكلة الكبرى تبرز عندما تتولى قيادة عسكرية زمام قيادة دولة من الدول أو مجتمع من المجتمعات ستتحرك في إتخاذ قراراتها بناء على هذا العقلية الحاكمة وستنظر لكل تدافع في المجتمع المدنى وصراع سياسي بين الأحزاب باعتباره صراع عسكري، لابد من تكسير عظام الخصوم فيه وتركيعهم ثم بعدها يبدأ الحديث معهم؛ وهذا يسبب كوارث قاتلة ومصائب كبيرة تحل بالمجتمع والدولة والسلام العالمي؛ فالمجتمع المدني كل يوم هو في تدافع وتنافس وتشاحن حول العديد من الرؤى والتصورات الخاصة بطريقة إدارة الدولة والمجتمع والناس.

الحياة السياسية قائمة على التناقض والتطاحن بين الأيديولوجيات المختلفة فستجد في المجتمع أحزاب تتبنى الرؤية الاشتراكية، وأخرى تُنادي بالليبرالية، وثالثة تؤمن بالأيديولوجية الإسلامية وفى هذه الحالة لا استقرار للمجتمع إلا بالحوار والتواصل والتفاوض وتقديم التنازلات بين الأطراف وعقد التحالفات والصراع عبر صناديق الاقتراع، وكل هذه الأشياء السابقة لا يتحملها العقل العسكري الذي لايعرف سوى لغة الحسم وتحقيق الإنتصار بالضربة القاضية ولمس الأكتاف.

المخالف خائن

ويزيد من تعقيد هذا المشهد السابق هو أن العقل العسكري مبنى أيضاً على أن مخالفة الأوامر العسكرية جريمة كبرى قد تصل عقوبتها للإعدام وقت الحروب -ومن خدم بالجيش يُدرك مدى الفزع الذي ينتاب الجندي عندما يصفه أحد القادة بأنه ُيكسر الأوامر لأن هذا يعني أن هناك عقابا أليما ينتظره-

فلك أن تتخيل سقف الحرية والعدالة في المجتمع عندما تتولى قيادة عسكرية زمام القيادة فيه؛ حيث سيصبح كل مخالف في الرأي في مخيال القيادة خائن، وضد الأمن القومي ومصالح البلد العُليا ينبغي محاكمته، والتضيق عليه؛ لأن العقل والنفسية العسكرية لم تتدرب على أن تنوع الأراء وتعدد الحلول ثراء للمجتمع وللدولة وللأمة، وإنما النفسية العسكرية تنظر للعالم وللمجتمع والناس على أنهم أفراد في كتيبة عسكرية ينبغي منهم تنفيذ الأوامر بدون مناقشة ولاتفكير ولا أخذ ولا رد.

التحدي الخلاَّق

وبناء على ما تقدم نُدرك أن تولى العسكريين زمام القيادة كاملة في المجتمعات والدول والمؤسسات أمر بالغ الخطورة والتعقيد، فالمؤسسات العسكرية والأمنية لها نظام حاكم للأفكار، ورؤية نفسية خاصة يتم غرسها في عقول وقلوب كل من يلتحق بها وينتسب إليها، وهذه الحزمة من الأفكار والتصورات قد تكون صالحة لإدارة شؤون المؤسسات العسكرية والأمنية داخل الثكنات وساحات الحرب لتحقيق أقصى درجات الانضباط والتواصل بين القيادات والجنود وقت المعارك والالتحام مع الخصوم.

لكن تطبيق هذه الأفكار الحاكمة للعقل العسكري على الحياة المدنية يسبب مصائب كبيرة، وإخفاقات بالغة؛ لأن الأفكار الرئيسة التي تستولي على العقل العسكري حيثما حل أو ارتحل ستٌهيمن على الفضاء المدني والسياسي والاجتماعي سواء على المستوي المحلي أو على المستوي العالمي؛ لذلك المجتمعات والدول التى حققت تحولا ديمقراطيا مستدام قامت بضبط العلاقات العسكرية المدنية من خلال وضع القواعد والسياسات الكفيلة بتحقيق تناغم ما بين المؤسسات العسكرية والهيئات السياسية والقضائية في الدولة حتى لا تطغى مؤسسة على مساحة عمل الهيئة الأخرى، أو بالمعنى الدقيق حتى لا يتفرد عقل مؤسسة ما من مؤسسات الدولة بقيادة المجتمع والدولة نحو ما لاتحمد عقباه.

نقلا عن مدونة الجزيرة 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى