مقالات مختارة

لماذا لجأ النظام المصري لمجلس الأمن في أزمة سد النهضة؟!

ياسر عبد العزيز - عربي21

بعيدا عن النشأة والتاريخ، فإن مجلس الأمن هو أحد الأجهزة الستة الرئيسة التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة؛ الذي وضع مسؤولية حفظ السلم والأمن الدوليين كإحدى المسؤوليات الرئيسة للمجلس.

ويتكون المجلس من 15 عضوا، يُميز خمسة أعضاء منهم وهم دائمو العضوية، ولهم حق الاعتراض (فيتو)، وهم أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، وعشرة أعضاء غير دائمين ينتخبون من قبل الجمعية العامة وبتوافق من الخمسة الكبار، موزعين كالتالي: خمسة مقاعد للدول الأفريقية والآسيوية، مقعدان لدول أمريكا اللاتينية، مقعدان لدول غرب أوروبا والدول الأخرى،  مقعد لدول أوروبا الشرقية، وتكون فترة تمثيلهم سنتين ويتم تبديل خمسة أعضاء كل سنة. ولكل عضو من أعضاء المجلس صوت واحد حتى مع تمييز الخمسة الكبار. وبحسب الميثاق المنشئ (ميثاق الأمم المتحدة)، فإن قرارات المجلس ملزمة لكل الدول الأعضاء في الجمعية العمومية.

وبحسب ميثاق الأمم المتحدة، فالمجلس يجتمع كلما ظهر تهديد للسلم الدولي، ويأخذ زمام المبادرة فيما لو رأى ما يلزم تدخله، من عمل عدواني أو أي تهديد لأمن العالم، ومن ثم يدعو أطراف النزاع إلى تسويته سلميا. ودوره في هذه الحالة طرح التوصيات وتقريب وجهات النظر. كما يمكن للمجلس في بعض الأحيان أن يلجأ إلى فرض عقوبات أو حتى السماح باستخدام القوة تحت مظلة الأمم المتحدة، للحفاظ على السلم والأمن الدوليين أو استعادتهما.

هذه المقدمة المطولة، التي لا بد منها، توطئة لما قصد به المقال، إذ أعلن النظام في مصر أنه تقدم بطلب إلى مجلس الأمن في الأمم المتحدة حول سد النهضة الإثيوبي، دعا فيه المجلس للتدخل لحل الأزمة بعد فشل الجولة الخامسة من المفاوضات الثلاثية حول السد، بعد أن وجد النظام نفسه وحيدا، بعدما كان يعول على أمريكا لفرض الأمر على إثيوبيا، وهذا لم يحدث، لاعتبارات سنذكرها لاحقا، فبدأ النظام يبرر فشله ظاهريا أمام الشعب، ومن ثم ينفذ خطة الخداع الاستراتيجي التي بدأها مع تنفيذ المخطط الأكبر في أزمة سد النهضة وكارثة حرمان مصر من حصتها.

يوم السبت الماضي يقف رأس النظام في مصر بين جنوده ومقاتلاته الحربية لاستعراض قدرات الطيارين المصريين والقوات الخاصة، من رجال المظلات والصاعقة، في رسالة واضحة وجهها الرجل لليبيا، بعد أن أحضر بعض الرجال قيل إنهم ممثلو القبائل الليبية يستنجدون به في تمثيلية مكشوفة، ويقول بعدها إن تدخله في ليبيا أصبح شرعيا، وهو اعتراف لا ينقصه الغباء بأن السنوات السبع الماضية كان تدخله فيها غير مشروع، وأن طائراته التي أُسقطت، وجنوده الذين أُسروا، كانوا مرتزقة.

لكن الرجل لا يفوت فرصة ليفسد المخططات، ليقول في كلمته للقوات المتواجدة في المنطقة الغربية على حدود ليبيا: “كونوا مستعدين لتنفيذ أي مهمة هنا في داخل حدودنا، أو إذا تطلب الأمر خارج حدودنا”. هذه الكلمة تفسر بشكل مباشر في ظل التلاسن بين وزير خارجية النظام المصري ووزير خارجية إثيوبيا على أنها تهديد مباشر للدولة الخصم. فخطاب السيسي كان واضحا أنه شامل لكل القوات المسلحة، وبحسب القاعدة الأصولية، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومن ثم فإن الحديث عن ذهاب النظام إلى مجلس الأمن يدينه أكثر ما ينفعه؛ لأنه هو من يهدد الأمن والسلم الدوليين.

وبغض النظر عن القواعد الإجرائية التي يجب أن تُتبع من أجل نظر طلب النظام المصري، التي وبحسب النظام الداخلي للمجلس تعقد جلساته بناء على دعوة من رئيس المجلس استثنائيا، إذا رأى في ذلك ضرورة ملحة بناء على طلب أحد الأعضاء، ما يعني أن حديث النظام المصري عن تقديم طلب للمجلس لا يمت للواقع بصله، إذ أن مصر ليست عضوا في المجلس في هذه الدورة، وممثل العرب في المجلس هي دولة تونس. كما أن حديث السيسي أمام جنوده هو الذي يهدد السلم والأمن الدوليين، ما يعني أيضا أن النظام لو قدم الطلب عبر القنوات الشرعية والطرق القانونية سيكون هو المُدان.

إذا السؤال الكبير هو: ماذا يريد النظام من كل هذه الأكاذيب والمناورات الناجحة إلى حد كبير على الشعب المصري، والفاشلة بامتياز على إثيوبيا؟

والإجابة: الكيان الصهيوني.. كسب الوقت الذي تلعب عليه إثيوبيا بدعم من كل من أمريكا والاحتلال الإسرائيلي، وتمويل من الإمارات، ويناور فيه النظام المصري الذي ارتضى فيما ارتضى، لتثبيت أركان حكمه بعد الانقلاب الذي شاركت فيه الدول سالفة الذكر، أن يؤمن وصول مياه النيل للكيان المحتل عبر الأنفاق التي تبنى الآن، وهو ما يفتح بابا آخر للحديث عن مستقبل سيناء بعد أن ضاعت تيران وصنافير وهُجر أهل سيناء.

النظام المصري غير قلق على حصة مصر من مياه النيل، لكن قلقه الوحيد هو تنفيذ تعهداته لكل من أمريكا والاحتلال الإسرائيلي بعد أن أصبحت مصر الجمهورية تُعامل كما تعامل ممالك الخليج: ادفع تبقى. ولكل دولة عملتها التي تدفع بها، فمنهم من يدفع النفط ومنهم من يدفع الماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى