مدونات

لن يسرق الحزن من عمري شيئا.. هدى بديدي

لن يسرق الحزن من عمري شيئا، علمت أن رذاذ المطر قريب جدا، رأيت غيمة مساء، كانت قريبة جدا، همست في أذني أن الله لا ينسى عباده، حتى أولئك الذين جابهوا وجوده كفرا وإلحادا ينالهم نصيب من رحمته، إنه عادل هنا، لا ينحاز لمسلم يشهده ولا لبوذي يعبده على شاكلته ولا لنصارى ولا ليهود، يصيب العلو والرفعة أمة عادلة ولو كانت كافرة، إنها أسباب ونتيجة لا دخل للرب في ذلك، وأمة مسلمة تهان إن جارت، معادلة كفيلة بجعلنا نعتقد أنه في قوانين الله لا انحياز، وعلى نياتكم ترزقون، لقد صدقت نبوءة الغمامة، أمطرت السماء رحمة وبشرا.

لن يسرق الحزن من عمري شيئا، مررت أمام الجارة بهية، قبلت رأسها، رأت سحنة حزن تعلو جبيني، نادتني للجلوس أمامها، قصت القصص على مسمعي، قصص صبر انتهت بدموع فرح، قصة ابنتها الكبرى التي رزقها الله مولودا بعد السن الأربعين، بعد أن نادت ربي أألد وأنا العقيم، فأجابها أنه على كل شيء قدير، قصة جارنا العم سالم الذي بترت قدمه، كان صبورا، ناجى الله بدعاء أيوب، ربي مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، لم يصنع الله به معجزة، لكنه كان رحيما به في أيامه الأخيرة، قصص عسر انبعث من رمادها يسر، ضوء ينبثق من ظلمات ليل بهيم، قيود وأغلال تنكسر، عروش ظالمين أصبحت كالهشيم، أخبرتني أن الحال لا يدوم، لن يدوم، صدقت العمة بهية لقد قبلتني صباح اليوم التالي أشعة من نور.

لن يسرق الحزن من عمري شيئا، نمت ليلة أبكي فيها عمري، رأيت في المنام كهلا يبتسم لي، مسح بقايا الدمع والحزن المتناثر، أمسك يدي بعطف، ثم قال بحنو الأب، أنه رحل إلى السماء، أخبرني أن حزنه كان كذبة، وألمه كذبة، أن الدموع التي كان يسقطها وهو الرجل الذي لا يجوز له أن يبكي فقدت قيمتها، أن الحزن على شيء ماض أكبر ما يأكل عمر الإنسان ويرديه قتيلا، يمشي منكبا على فمه ذليلا للحزن، لوهم الحزن، أخبرني أن بعد انقضاء العمر تفقد المسميات قيمتها، وأن الحب الذي يستوطن الذات وحده الذي يخلد، وأن الخير الذي تطبقه الشفاه وتواريه الأفئدة، الأمل الذي تزرعه البسمات، الرحمة التي تكتبها الأيادي، السعي إلى الله طوافا حول بيوت الفقراء، الصوم عن رشق الناس بالأذى، وحده الذي لا يفنى، وبعد حمام المرء يكتب اسمه، الكهل صدق، في صباح اليوم التالي نبتت على خدي زهرة، كانت زهرة أمل.

لن يسرق الحزن من عمري شيئا، وقفت يوما أمام نافذة البيت، رأيت صغارا يلعبون، الصغيرة فاطمة كانت تراقبهم بصمت وحزن، فاطمة مقعدة، لم تنل حظا في ركل الكرة، ولا في الركض خلفها، لم تلعب كما يلعب الصبية، غضبت كثيرا لأجلها يومنا ذاك، التفت إلى الله، سألته ما ذنب الصغيرة، اعتقدت أن الله عاقبها يومها، مرت أمام البيت سيارة طائشة، أزهقت روح الصغار المتناثرين كحبات السنابل، فاطمة لازالت في مقعدها تشاهد، عرفت حينها كم يحب الله فاطمة!!

لن يسرق الحزن من عمري شيئا، في مكان ما سقطت روح فارس الصغير، كانت رصاصة جائرة، القاتل استمر في عمره ماضيا، الأم أصابها الجنون، فهل يغضب الله لأجلنا!! سنون مضت، حيث سقطت يدي فارس نبتت ثلاث زهرات، القاتل انتقمت منه خلاياه، مات ميتة خائن، الأم التي انفطر قلبها حزنا أزهر رحمها، حينها علمت أن الله لأجلنا يغضب.

لن يسرق الحزن من عمري شيئا، توقفت يوما عند سيدة أربعينية، بعينان عسليتان، الجمال فيهما يواريه شبح الفقر الذي يستوطنهما، كان حزنها عميقا، عميقا للحد الذي يجعل الناظر إليها يستغرب حجم الجمال والحزن المستوطن في ذات واحدة، اقتربت ببطء شديد حتى تلاقت أنفاسنا، رتلت على مسامعها حجم الجمال الذي يتربع سلطان عينيها، ثم أخبرتها عن الغمامة وعن العمة بهية والكهل أيضا، حدثتها عن فاطمة والصغير فارس، أخبرتها معجزات الوجود، والنور الأبدي الذي ينال منه نصيب المبتسم، فتبسمت ضاحكة من قولي، ومضيت حيث يمضي تائه بحثا عن شيء ما !!

نقلا عن مدونات الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى