مقالات مختارة

لون العزة مش أبيض يا عروسة.. يوسف الدموكي

مِن فضلك، قبل أن تبدأ القراءة، برجاء إغلاق المكيف، إيقاف مبرد الهواء، تعطيل «المروحة». هذا المقال يُقرأ في درجة حرارة معينة. شكراً لتعاونكم.

هل جرّبت من قبل أن «تُحشَر» في علبة صفيح؟ في درجة حرارة الجحيم صيفاً والقطب الجنوبي شتاءً؟ في جدرانٍ لا يسمعك من ورائها إلا الذين معك منذ سنوات؟ في غرفةٍ انفرادية بلا شعاع ضوء واحد في طابقٍ تحت الأرض؟ في عزلة بالمكان والزمان عن الذين تحبهم؟ أن يمضي العالم ويولد صغار ويموت كبار ويتزوج شبان ويأتي خريف ويذهب ربيع وتنبت زهور وتسقط أوراق وأنت واقف مكانك؟ أن تنقلب الدنيا وأنت لا تدري عنها شيئاً؟ أن تستغيث بالدنيا ولا يدري أحدٌ عنك شيئاً؟

هات يدك، هي في الحلقة الأخرى من «الكلَبش» الآن، والحلقة الأولى في يدي، نحن الآن مساقون في صندوق سيارة الشرطة المصفحة إلى مقر المحاكمة.

بإحدى القضايا التي كنت أحاكم فيها، كان قدري أن تعقد جلسة لي في معهد أمناء الشرطة، صاحبة القفص الزجاجي الشهير، الذي يمنعك من سماع ما يدور في قاعة المحكمة إلا إذا سمحوا، ويمنعك من إسماعهم صوتك إلا إذا سمحوا.

قبل الدخول إلى هناك، ومروراً بالتفتيش، وبقيادات الداخلية التي تؤمن الجلسات، ووقوفاً في التفتيش خلف حازم صلاح أبوإسماعيل، ومحمد وهدان، وغيرهما، مع حفظ الألقاب، ودخولاً إلى «الحبسخانة»، لتجد نفسك –عافاك الله- في متحف كبير، جدرانه بيضاء، عليها مخطوطات بطول السنوات التي مر خلالها الرجال من هنا، الجميع وقَّع على الجدران، بآيةٍ أو حديث أو هتاف أو أغنية، برسالة إلى سجين مثله، أو رسالة إلى الأحرار لن يروها، أو رسالة إلى الله الذي يرى السجين والحر، أو رسالة إلى نصف سجين ونصف حر، أوشكت مدة سجنه على الانتهاء، يقال له فيها: لا تنسَ يا ولد. خططتُ اسمي أنا أيضاً، فوق اسم صديقٍ لي لم أكن رأيته حينها منذ ثلاث سنوات، قلتُ لعله حين يأتي إلى هنا مجدداً يعانق الجدار مثلما عانقتُه، فيصلني ويصله السلام.

في القفص الزجاجي، كان نصيبي المقدمة، القفص عبارة عن نصفين كبيرين، يفصلهما طرقة رفيعة في المنتصف، والنصف الواحد مقسوم إلى ثلاثة أقسام، وبين كل قسم وقسم حاجز آخر من الحديد، هو عبارة عن قفص حديدي كبير، مقسم إلى أقفاص حديدية صغيرة نسبياً، ومحاط بالزجاج كاتم الصوت.

جلستُ في المقدمة، كانت الرهبة تعتريني إلى أبعد حد، حازم يمر من الطرقة ليكون في المقدمة لكن بالنصف الآخر، وضعت يدي على الحاجز الفاصل بين قفصي والطرقة، ووضع هو الآخر يده على الحاجز قبالة يدي، وهذا هو «سلام المساجين»، سألني عن آخر مرة رأيتُ فيها الشارع وكانت قبل أشهر، قال: جيد، أتيتَ من قريب، فسألني عن الخارج، عن الشوارع والناس، عن الأوضاع والأحوال، لم أعرف ماذا أقول، كذبتُ عليه، قلت: الناس غاضبون، أعتقد سيثورون، في الحقيقة كذبتُ على نفسي قبل أن أكذب عليه، تمتم وأوصاني وبدأت الجلسة.

عدت أدراجي إلى المقعد، القاضي على المنصة هناك لن يراني بوضوح، وضعتُ قدماً على قدم، كان بداخلي شعور عزيز أنني يجب أن أبدو غير مبالٍ بالمحكمة كلها، فالكاميرات باستطاعتها التقاط صورةٍ لي، سيأخذها أحدهم ويضعها في تصميم كبير، يصلح غلافاً لصفحات فيسبوك، سيكتب فيها ربما: «تبقى الأسود أسوداً». ويشاركها المئات، مصحوبة بعباراتٍ من نوعية «مكتوب على جبينك بطل يا ساكن الزنازين».

على الجهة الأخرى كان بداخلي شعورٌ بشري خائف أن يعاندني القاضي إن رآني غير مهتم، وأنا في عرض ساعةٍ تعتقني من وجهه، اعتدلتُ في المقعد، وحينها وجدتُّ جملةً غيَّبتني عن المحكمة، وأخذتني إلى الواقع المر، إلى المرآة التي يجب أن أرى نفسي فيها بوضوح، الجملة كانت «كفاية شقا بقى»، مشيتُ عليها بأناملي، كأنني أشد على يد مَن كتبها، ابتسمتُ، قلت: أول مسجون أقابله ولا يكذب! سألت: في أي ظرفٍ كان حين كتبها؟ أنا أعرف، في الحقيقة ليس «كان»، وإنما «كانت»، فهي فتاة، والظرفُ أنها كانت تأتي إلى الجلسة مريضة، بعكازين، والواقع أنها بكت كثيراً وأبكتنا حين مرت من هنا يوماً، كانت «إسراء الطويل».

سألتُ نفسي، كم يحتاج المرء من الشجاعة ليكون واضحاً كإسراء؟ كم ثانية يحتاج إليها ليواجه نفسه بنفسه؟ بعيداً كل البعد عن الشعارات المخطوطة على الجدران، عن الهتافات التي يرددها الأحرار حتى يُسجنوا، فيكفون عن ترديدها، عن الجمل التي كتبتُها في زنزانتي حتى صرتُ أنظر إليها باحتقار كل مساء، لأنها تزايدُ عليَّ، لا أستطيع حتى أن أكون ضعيفاً أمامها في زنزانتي! فأين أضعف وأين أعترف بضعفي؟ في الحمام كان يكمن جزء من الحل، في دقيقتين من البكاء المرير، لماذا؟ لأن الرجال لا يبكون، ولأن الرجال إن بكوا فأنت لست منهم، لأن «البراح زنازين والسجن حرية»، ولا حق لإسراء في أن تبكي أيضاً لأن «لون العزة أبيض يا عروسة»!

الفكرة التي دخلنا بها إلى الجدران الأربعة كانت أننا أبطال، وأنا لا أشكك أبداً في بطولة رجلٍ مقيد، وإنما لا أشكك كذلك في بشريته، في حقه في إعلان ضعفه، في صراخه، في سخريته من سجنه وسجانه، في الارتداد المؤقت عن الأسباب التي أتى بها إلى هنا، في لعن الدهر وسبّ اليوم الذي دخل فيه إلى الجحيم.

في السجن حين كنت أضعف لم أكن أحدث أمي، لأنها ستقول لي –وهي تكذب- إن لون العزة أبيض، وإن البراح زنازين، وإن أسماءنا مخطوطة على الجدران –يا فرحتي- وإن الأسوار ضعيفة، وإن الحديد ينصهر.. لكنني يا أمي رأيت الحديد أصلب مما في بناء البيوت، ورأيت الأبيض أحقر لون على وجه الأرض، ورأيت الأسوار أعلى من أعلى نفسٍ عزيزة.

كنتُ أحدث –بطريقةٍ ما- صديقتي، وكانت لا تعرف من الشعارات الرنَّانة شيئاً، لم تكن تشبهنا، كانت صادقة، تثبتني بكلامٍ معقول، تعترف فيه بقسوة السجن ووحشة السجانة، تكفل لي حقي في البكاء والضعف، تقول لي: احكِ، فتبكي قبل أن أبكي. كل الحكاية أنها كانت تقول لي إنني بشر، مسجون، فمن حقه في السجن أن يفعل كل شيء، إلا التظاهر بالقوة.

لا أقول إن هذا كان على طول الخط، بالتأكيد رأينا من الله ما يثبت به فؤادنا، ووجدنا من عباد الله في سجون الناس ما يشد من أزرنا، وعرفنا من دورة الأيام ما يجعلنا ننفجر لكن بعد قدرٍ منطقي من الصبر.

الرسائل؟ كنت أسلم فيها على الأحباب، أوصيهم بالدعاء، أعد لهم فيها الأيام، أشكو لهم فيها من أمين الشرطة الحقير الذي يحبسني في دورة مياه. الرسائل؟ كنت أناشد فيها أقرب الناس لي أن يفعلوا أي شيء بأي ثمن، لأنني هنا مفلس عن دفع أي ثمن إلا عمري، وعمري الغالي، رخيص في نظرهم، لا يوفي بالسعر الذي يكتبونه على وجه القضية، فألف عمرٍ آخر لن يستطيع أن يشبعهم، سيلتهمون أعمارنا جميعاً ثم يقولون: «هل من مزيد؟»، جهنّم يا سيدي جهنم، الناس يتقلبون فيها على فحم اسمه الوقت، كلما مرَّ مر، وكلما دار كوى، وكلما فكرنا فيه جُنت عقولنا.

الرد؟ كانوا يقولون إننا نفعل كل شيء يا حبيبي، نسلك كل طريقٍ يقصِّر حبسك ولو ساعة، أنت خارج السجن ستكون أفضل من هنا بكثير، فالقضية التي دخلت السجن من أجلها لا تحتاج إلى قيود اللسان والجسم والمكان، وإنما تحتاج إلى أن يكون عقلك حراً يفكر لها وبها، وبدنك حراً يسعى إليها ومنها، كانوا يقولون لي: «فديناك».

الحمد لله، لم يقل لي أحدهم: لم نجبرك على الدخول إلى هنا، ولا الانتماء إلى قضية أنت اخترتها، وإن أردت التبرؤ منها فلتتبرأ، بل احذر أيها الحقير أن تنادي بحريتك مقابل أي ثمن، لأنك حينها ستكون «أَمْنَجي» وصناعة مخابرات.

لم يحدثني أحد الذين أحبهم، من خلف مكتبه المكيف يقول لي: اصبر وتخلَّ عن حريتك لأنني أتحدث باسمك ولا حق لك في الحديث عن نفسك. يا سيدي إن القاضي الحقير نفسه حين وقفتُ أمامه قال لي: تحدث، أعطاني الكلمة قبل أن يعطيها للمحامي، أدركت أنهم يسمحون لنا بالصراخ حتى إن لم يؤثر بهم، في حين أن أقواماً آخرين يعاقبوننا ويتهموننا لمجرد أننا طلبنا الميكرفون! جلسوا هم في عواصم العالم المتحضر لم يخوّنهم أحد، وجلسنا نحن في أقذر بقاع الأرض، سفارات دولة جهنم في الأرض، ويتهموننا بالعمالة! أي «بجاحة» تلك يا رجل!

لو قال لي أحدهم وأنا في السجن: أنت عميل للأمن لأنك ضعفت، أنت صناعة مخابرات لأنك ناديت بحريتك، لو قال لي ما لم يقله رسول الله لعمار بن ياسر، ما لم يفعله مع الخباب، ما لم يُتهم به خالد بن الوليد حين حرص على الأرواح والأنفس! والله لزاد إصراري على الخروج من السجن مقابل أي ثمن، لا شيء إلا لأضع إصبعيَّ في عينيه، وأقول له إنه عمري لا عمرك يا «طال عمرك»، سأضع إصبعيَّ في عينيه؛ ليشعر بإنسان ذهب بصره ولم ير النور منذ 6 سنوات، سأقول له: أترى حين أفقأ عينيك، ثم أثبت جوهرتين مكانهما هل ترى؟ هي أشياء لا تُشترى!

سيرد عليَّ حضرة القيادي المثقف ليفحمني، سيقول إن الأبيات من قصيدة اسمها «لا تُصالح» للشاعر الثائر أمل دنقل، سيضحك ويقول لي: لا تصالح. سأقول له كما قالت إسراء: «كفاية شقا بقى»، إن خروجي من سجني ليس مصالحة، وإنما حق في الحياة، سأضرب له المثل بقائدِ فريقٍ ينسحب من مباراة مهزوم فيها 10 صفر قبل أن يهزم 30! سأضرب له المثل بكل الذين لا يتاجرون بالناس! ولن يفهم.

سأخطب فيه ساعةً وأبعث إليه بألف ألف رسالة ولن يفهمني، لن يفهمني لأنه منذ أربعين عاماً ملتصق بكرسيه المريح، سيكررها ويقول لي: «لا تصالح»، سأقول له أخيراً بعد يأسي من محاولات الشرح: «موافق ألا أصالح، لو كنتَ أمل دنقل لصدقتُك، لكنك، للأسف، أمل المحبوس يتهنّا، أمل إبليس في الجنة».

بقلم\ يوسف الدموكي

نقلا عن عربي بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى