مدونات

ليس نار الخُلد ولا جنة الفردوس.. نظرةٌ واقعيةٌ للزواج

يوسف الدموكي

ينظر كثيرون إلى الزواج على أنه المسيح المخلّص، الشاب يرى فيه خلاصاً من حياة العزوبية، ونجاةً من التفكير في ماذا سيطبخ اليوم، أو مجرد مكانٍ يفرغ فيه رغباته من دون سين أو جيم، وطعماً ينقذه من الجلسة اليومية التي تكون “بشيء وشويّات” ليأكل ما يريد، ومقهى يستطيع فيه بهدوء شديد أن يشرب شايَه في ليلة رائقة، بل أن يشرب أكثر من مشروب في وقت واحد، دون أن يدفع دم قلبه، وحتى مع أنه يدفع فالأمر فيه توفير كبير.

وقد ترى الفتاة الزواج على أنه المخلّص لها من إمرة أولي الأمر، وحريةً من سجن البيت والواجبات اليومية الثقيلة، ومع أنها ستكون مخلصةً لبيتها تهتم به في حبٍّ كبير، فإنك لو حسبتَ الأمر فستكون الواجبات أقل، وقد تراه عتقاً من نيران المجتمع، الذي يلتهمها بنظرات أفراده كل يوم “في الرايحة والجاية”، وإفلاتاً من المسؤوليات التي كان يُفترض عليها تأديتها وحدها، فقد صار لديها رجلٌ يشعل لها أصابعه العشرة شموعاً، وحصولاً على التميز الذي لم يعد لدى كثيرات من الفتيات، وهو أن تكون الفتاة متزوجة، بغض النظر عن التفاصيل، المهم، أن تكون متزوجة، أو بشكل أوضح “ليست عانساً”.

دخول الجنة

ويدخل الشاب، بصحبته الفتاة، متشابكَين، يداً في يد، وقد نجوَا من وحش الخطوبة، وأفلتا بمعجزةٍ من مشاكلها، وظنا أخيراً أنهما وصلا سدرة المنتهى، وها هي الدنيا تضحك لهما، فيضحكان لها ضحكةً بلهاء، ويتبسمان طوال الوقت، وتنفرج الأسارير، لكن، على حين غرة، يتفاجآن بما لم يتخيلاه، خناقة؟ اختلاف؟ خلاف؟ مشاكل؟ ما هذه المفاهيم؟ أليست الجنة خالية منها؟ ويبدأ كل منهما في تلقي الصدمة، ليس بالتفكير في كيف ستسير الأمور، ولكن بالتفكير فيما يُفترض -حسب نظرتهما الحالمة- أن تسير عليه الأمور، فلا يتأقلمان، وإنما يظلان يبحثان عن الحلم المفقود، أين الزواج يا لصوص؟

وهنا تتأزم الأمور أكثر وأكثر، فالحلول مرفوضة، والمشاكل كذلك مرفوضٌ مجرد طرحها، هي احتمال ليس وارداً على الإطلاق في عالمٍ كان وردياً على الإطلاق، وبات الشاي الذي يشربه الرجل في بيته أثقل مما على المقهى، وباتت صحبة البنت لبيتها أثقل من صحبة صديقاتها، فيتجه كل منهما إلى عالمه القديم، باحثاً عن أرض الأحلام، لكن الأرض تغيرت، والأحلام تبخرت، والصحبة القديمة لم تعد موجودة كما كانت، أو إن الكرسيّ الذي خلا امتلأ بآخر، أو بيعَ حتى، وما الحاجة إليه بعد مغادرة صاحبه؟

الهبوط من الجنة

فيرتدّ الشاب، وبصحبته الفتاة، متنافرين، ظهراً في ظهر، وقد بدت عليهما علامات الذهول، أين هي الجنة؟ ولو ارتفعا عن الموقع الذي تجمدا فيه، ونظرا من الأعلى قليلاً لوجدا حلولاً للمشاكل، لكن المشكلة الكبرى هي أنهما لا يريدان رؤية المشاكل أصلاً، لا يعترفان بوجودها، وتأتي كل الغراميات في ذهنيهما متّشحةً بالأسود، أين هي الأغاني التي تقول إننا نتشابه بالمللي؟ كيف نختلف من الأساس؟

ويهبط الحبيبان من الجنة، وينزلان مِن عَلٍ، ويرتطمان بالأرض، بواقعٍ سحيق، ليس في الحقيقة واقع الزواج، وإنما واقع عقليهما الفارغين، وعدم نضجهما من البداية، وضلالهما في طريقٍ لم يكن ينبغي لهما تخيله مفروشاً بالورود وحدها، لأنه بالفعل مفروشٌ بالورود، لكن أية ورود تلك التي بلا أشواك؟

نار يا حبيبي نار

ومن أعلى الجنة إلى أسفل النار، يتقلّبان، وتستعر الدنيا في وجه كل منهما، وبالتالي يستعر كل منهما في وجه حبيبِه، وينكر أن الذي أمامه هو الشخص ذاته الذي كان قبل الزواج، أي وغدٍ ذلك الذي تبدله كلمة “زوجتك ابنتي”؟ وأي خبيثةٍ تلك التي تتبدل لأنني صرتُ زوجها؟ ولا تقبل هي أن تكون جاريةً لدى زوجها، ولا يقبل هو أن يكون خاتماً في إصبع مولاته، ولا ينتبهان إلى أن العلاقة أصلاً ليست بين عبدٍ وجارية، وإنما رجل حر وامرأة حرة، ارتضيا الزواج معاً، فكان لزاماً على كل منهما أن يخفض جناحه لصاحبه.

وتصير العلاقة ناراً مشتجرة، لا تنطفئ إلا حين يبتعد كل منهما عن الآخر، وينظر الناس في عجب: أليسا اللذين كانا يتغزلان في الزواج من قبل أن يدخلاه؟ أليسا اللذين ظلّا يتغنيان بالجنة الموعودة؟ ويقع المجتمع ضحيةً للمراهقة، ومن هنا يسمع البعض عن الزواج من هؤلاء أنه جنة، والبعض الآخر يسمع منهما أيضاً -بعد فترة- تصحيحاً للمعلومة: نعتذر يا سادة، إنه نار، والبعض يُجنّ إذ يسمع أنه جنةٌ تحولت ناراً، وفي كل هذه الأحوال، يقع المعظم ضحيةً لذلك النموذج، الذي يصنع من البحر طحينة، ولا هو يعوم في البحر، ولا هو يأكل من الطحينة، ولو أدرك الأمر حقّ إدراكه، لاستمتع بالبحرِ بحراً، بمياهه وأملاحه، وعرف كيف يسبح، وكيف يغوص، وكيف يجلس على الشاطئ، يشرب الماء غير المالح متى أراد، ويأكل الطحينة كيفما أراد.

بين الجنة والنار

الناجون، الذين نضجوا بالقدر الكافي ليتخطوا مرحلة المراهقة، يدركون جيداً أن الأمر ليس بالجنة أو النار، وليس حتى جنةً وناراً معاً، وإنما أتخيل الأمر على أن شريك الحياة قد يكون جنة الدنيا، بمعنى أنه جنة بما فيها من نعيم، لكنها جنة الدنيا، بمعنى أنه فيه من صفاتها، يتعب، ويطلب، ويغضب، وله عيوب، ومعه مشاكل، لكنه في النهاية جنةٌ ما إن ترضَ عنك حتى تغمسك في نعيمها الحلو. ولكي تنال ذلك، فإنك ستتحمل الشرر، بل ستأخذ طرف ثوبك، وتمسح مكان الشرر عندها، ببلسمٍ من حبك، فتنطفئ جذوة اللهب، ويعود الحطب إلى أصله غضّاً طريّاً أخضر، وتورق الأشجار، وتتفتح الزهور، وتبقى الجنة كما عرفتها، حلوة دائماً حتى في تلك الأوقات التي لا ترى فيها خضرتها.

وإنني لو سألتك، لو أن لك جنةً حلوةً، وفي الطريق إليها جمرٌ على الطريق، ألن تعبر؟ طريق الجنة محفوفٌ بالمكاره، والمكاره ليست الأمور الكريهة، وإنما الأمور التي تُكرَه على التعامل معها، ويشقّ عليك بعضها، لكنك في نهاية الأمر، تحب حبيبك، وتشعر بالأمان معه، وبين رحابه، ولذا فإنك تقبله كله، وأنت مدرك أن الشوك لا يعني أن ترمي الوردة، والوردة لا تعني أن تخلو يدك من الشوك للأبد، وإنما الفِطنة في أن تدرك كيف ترعاها، وكيف تنميها وكيف تمسح عليها برفقٍ وحكمة، فتخلصها من شوكِها، وتستخلص رحيقها، وهي تفعل الشيء نفسه معك، وهُنا تدركان بالفعل المعنى الحقيقيّ للزواج.

من البداية..

على الشاب، وعلى الفتاة، أن يدركا أن الزواج فيه هذا وذاك، والبيت الواحد يسع الموقد الذي فيه النار، ويسع الطعام الذي فيه اللذة، وأن الخلافات ستحدث لا محالة، وليست الفكرة في أن نبتعد عن المشكلة ونُجنّ لأنها حدثت، وإنما الفكرة كل الفكرة في أن تسلّم بحقيقة أن كل النفوس -مهما تشابهت- مختلفة، وعلى كل نفسٍ أن تقطع شوطاً -من الحب والفهم- لتصل إلى مكنون النفس التي أمامها، وهنا تكمن الجنة، في ذلك الأمان الذي يميزها، فلا تجوع فيها ولا تعرى، وإنما تهنأ وتهدأ.

وعليهِ، فإن الزواج ليس ناراً إلا على من ظنه منذ البداية جنة، وإنّ الزواج ليس جنةً إلا لمن آمَنَ منذ البداية بأن عليه السير فوق الجمر أولاً، وعرفَ أن جنته ليست ببعيدةٍ عن شررٍ هنا، أو برقٍ هناك، فإن عليه أن يحبها بفصولها كلها، وأن يزرع منذ أول يومٍ ما يريد في النهاية أن يجني ثماره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى