مدونات

ماذا تعرف عن هوس السرقة؟.. محمد الجاويش

“لا أستطيع تذّكر كيف بدأ الأمر، لا أتذكر المرة الأولى التي شعرت فيها بأنني مضطرة للسرقة، ولا يمكنني تقديم أي نوع من التفسير حول سبب اعتقادي أن ذلك كان أمرً مقبولًا. الأشياء التي سرقتها كانت غير ذات صلة، من الطعام إلى الشموع، من مجفف الشعر حتى حقيبة الهاتف”

بتلك العبارات، وصفت هانا التي تعمل كمدوّنة في مجال الصحة العقلية، معاناتها أثناء إصابتها بهوس السرقة في فترة سابقة من حياتها. تقول: “لم يكن هناك سبب لذلك، حتى أنني لم اختبر النشوة جراء ذلك، فقد كانت السرقة مجرد شيء قمت به، ولسبب ما أصبح كل متجر فرصة جديدة. اعترف أن مشكلتي كانت مخجلة ومحرجة”. حالة هانا مع اضطراب هوس السرقة مثل الكثير من الحالات المشابهة التي قد تكون مجهولة للكثيرين، وغالبًا لم يسمعوا عنها إلا خلال هذه الكلمات. رغم أن هوس السرقة يصنف كأحد الاضطرابات العقلية النادرة، فأنه يصيب عدد لا بأس به من الناس، ويسبب الكثير من الألم العاطفي والاجتماعي للمصابين به ولذويهم. لكن ماذا نعرف عن هذا الهوس؟

ما الفرق بين السرقة والكلبتومانيا؟
يُعرف هوس السرقة بالكثير من المسميات لكن أشهرها على الإطلاق هو الكلبتومانيا. بحسب الإصدار الخامس للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، فإن الكلبتومانيا هي أحد أنواع اضطرابات السيطرة على الدوافع، تندرج تحت المظلة الكبرى للاضطرابات النفسية التي تتسم بمشكلات في ضبط النفس العاطفي والسلوكي، وتتميز بالاندفاع والفشل في مقاومة الرغبات والإغراءات، مثل العديد من الاضطرابات النفسية الأخرى بما فيها اضطرابات الإدمان والمزاج والإدمان السلوكي. يُعرّف هوس السرقة عادة بالعجز أو الفشل المتكرر في مقاومة رغبة الاندفاع نحو سرقة الأشياء التي لا يحتاج إليها الشخص أو تلك ضئيلة القيمة المادية التي يقدر على اقتنائها.

ثمة لغط شائع في اعتقاد الكثيرين حول مفهوم هوس السرقة في حد ذاته، يجعلهم يساوون بينه وبين السرقة بمفهومها التقليدي، لكن السرقة كجريمة والهوس بها كاضطراب ليسوا سيان حتى ولو على المستوى التعريفي. في حالة جريمة السرقة، يبيت اللص نية السرقة وغالبًا ما يقوم بالإعداد والترتيب جيدًا لعملية السرقة بداية من اختيار المكان الذي سيشهد الواقعة والأشياء التي سيتم سرقتها وأخيرًا التوقيت الملائم للسرقة. ثم يقوم بسرقة الأشياء باهظة الثمن والقيمة أو تلك التي يحتاج إليها أو التي لا يتحمل تكلفتها ولا يستطيع شرائها، وعادة يحتفظ بالأشياء المسروقة أو يقرر الانتفاع بها بأي شكل من الأشكال سواء باستخدامها أو بيعها.

أما في حالة الكلبتومانيا، لا يحدث الأمر بهذا الترتيب العقلاني. فلا يقوم الشخص المصاب بالاضطراب بعقد نية السرقة ولا الترتيب لها واختيار المكان والتوقيت الملائمين لذلك، ولا يسرق الأشياء لتحقيق مكاسب مادية أو انتفاع شخصي، بل يأتيه شعورًا مباغتًا ينطوي على رغبة عارمة بالسرقة لا يمكن السيطرة عليه أو احتوائه. ونتاجًا طبيعيًا لهذه الرغبة يقوم المريض بسرقة أشياء لا يحتاجها أو أشياء يقدر على تحمل تكلفة شرائها أو أشياء أخرى ضئيلة أو عديمة القيمة، ويقرر في النهاية عدم الانتفاع بها والتخلص منها أو إرجاعها لصاحبها دون علمه أو حتى منحها لأحد الأصدقاء والمعارف. على نقيض الحالة الأولى التي يصب فيها اللص جّل تركيزه على الأشياء القيمة باهظة الثمن، ويقرر الانتفاع بها في نهاية المطاف.

الكلبتومانيا.. حلقات متتالية من فقدان السيطرة
لعلك تساءلت الآن، لماذا يخاطر الشخص ويقوم بالسرقة من الأساس طالما سيقوم بالتخلص من المسروقات فيما بعد؟ على نقيض السارق الذي يسيطر على عملية السرقة بأكملها، فلا يسيطر الشخص المصاب بالكلبتومانيا على شيء، وأغلبية سلوكه في هذه الحالة هي استجابات تلقائية لعوامل أخرى، فلا يستطيع التحكم في الدافع المفاجئ الذي يزج به إلى السرقة في المقام الأول. يتملك الشخص في هذه الحالة حلقات متصلة ومتكررة من المشاعر المختلطة التي تؤدي في النهاية إلى القيام بالسرقة، تبدأ هذه الحلقات بتوتر وفقدان للسيطرة يليه لذة ومتعة ثم خزي وعار.

على سبيل المثال؛ قبل القيام بعملية السرقة، يعاني الشخص المصاب بالكلبتومانيا من تراكم لمشاعر الضغط والقلق والتوتر التي تؤدي إلى دافع بالسرقة غير خاضع للسيطرة. فيضطر الشخص إلى القيام بالسرقة لتخفيف حدة هذا التوتر والتخلص منه، وبالفعل نتيجة لفعل السرقة يشعر الشخص بالرضا والراحة والمتعة في بعض الأحيان. لكن كالمدمن فلا يلبث هذا الشعور الجيد طويلًا حتى يُستبدل بشعور الخجل والندم والذنب، ومشاعر الخزي والعار وتوبيخ الذات في كثير من الحالات. بعد فترة قد تكون وجيزة، يتلاشى هذا الشعور، ويبدأ الشخص في الدوران في حلقات مفرغة من التوتر ثم الرضا ثم الندم، وهكذا.

“قبل السرقة، سوف يختبر الشخص شعورًا متزايدًا بالتوتر، ثم يشعر بالسعادة والرضا أو السرور عند ارتكاب السرقة”. يوضح الطبيب والاستشاري النفسي جون ويلكنز في حديثه لصحيفة مترو البريطانية قائلا: “لذلك يعتبر هوس السرقة نوع من الإدمان الذي يعزز فيه الإشباع واللذة السلوك بنفس الطريقة التي يستمد بها بعض الأفراد المتعة من إشعال الحرائق في حالة البيرومانيا أو هوس الحرائق”. هذا يؤكد تشابه هوس السرقة كواحد من أنواع الإدمان السلوكي باضطرابات استخدام المواد المخدرة، حيث تلعب تلك المواد الدور نفسه الذي تلعبه عملية السرقة في حالة الكلبتومانيا، ألا وهو بث الشعور بالرضا والسعادة أو تخفيف حدة التوتر.

في الإطار ذاته، يوضح الباحثان ناتالي كوزين ودان شتاين في فصل بحثي بعنوان “الإدمان السلوكي: رابطة الاندفاع والإكراه” نُشر عام 2014 ضمن كتاب “الإدمان السلوكي: المعايير والأدلة والعلاج”، أن هناك عديد من الخصائص المشتركة بين اضطرابات استخدام المواد المخدرة وبين الإدمان السلوكي بشكل عام بما فيها الكلبتومانيا، بداية من الرغبة بالانخراط في السلوك رغم العواقب السلبية المرتبطة به، وزيادة التوتر حتى يتم تنفيذ السلوك، إلى جانب الانخفاض الفوري قصير الأمد للتوتر بعد الانتهاء من السلوك، ثم العودة التدريجية لرغبة الانخراط في السلوك مرة أخرى.

يقول الأخصائي النفسي والاستشاري الذي يعمل مع مرضى الصحة العقلية بيتر كلاين، في حواره مع صحيفة مترو البريطانية: “من يعانون من الإصابة بالكلبتومانيا يمكن أن يجدوا صعوبة في مقاومة الدوافع، والإحساس بمشاعر إيجابية قوية بعد فعل السرقة الذي يتبعه في بعض الأحيان الشعور بالذنب. في كثير من الحالات، تزداد عدد مرات السرقة التي يقوم بها الشخص بمرور الوقت”. لذا، مثلما يقل التأثير الإيجابي التي تسببه المادة الإدمانية بمرور الوقت، يقل تأثير فعل السرقة بمرور الوقت، فيغدو الشخص في حاجة مستمرة إلى القيام بالسرقة للوصول إلى الشعور ذاته.

ما أسباب هوس السرقة؟
تُعتبر الحلقة المفرغة التي يدور بها الشخص المصاب بالكلبتومانيا قبل وخلال وبعد عملية السرقة هي أكثر أعراض الاضطراب وضوحًا وفقًا للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وبالتالي رغم ندرة تشخيص هوس السرقة نظرًا لصعوبة تقدَّم المصابين به إلى طلب العلاج بسبب ما يتسم به الاضطراب من وصم اجتماعي، فإن الأعراض الرئيسية تكمن في عدم القدرة على مقاومة الرغبة الشديدة في سرقة الأشياء التي لا تحتاج إليها، مع تصاعد الشعور بالتوتر أو القلق الذي يؤدي إلى السرقة، ثم الشعور بالمتعة أو الرضا في أثناء السرقة، وصولًا إلى الشعور بالذنب أو الندم أو كراهية الذات بعد السرقة، ثم عودة الرغبة في السرقة وتكرار هذه الحلقة مرة أخرى.

هوس السرقة

لا يزال اضطراب هوس السرقة مغلفًا بطبقة من الغموض، ومثل أغلبية الاضطرابات النفسية لا يزال السبب الرئيس المسؤول عن الإصابة بالكلبتومانيا مجهولًا، ما فتح الباب على مصراعيه للآراء والاقتراحات. ورغم عدم توصل العلماء إلى سبب يمكن التيقن بأنه المسؤول عن حدوث الكلبتومانيا، فإن العلماء والباحثين ربطوا لسنوات طوال بين اضطرابات التحكم في الدوافع بشكل عام بما فيها الكلبتومانيا وبين الناقلات العصبية بالمخ، هذه الناقلات هي عبارة عن مواد كيميائية موجودة في مناطق ارتباط الخلايا العصبية ببعضها البعض، بهدف تنظيم الإشارات العصبية القادمة من الدماغ أو المتجهة إليه.

مؤخرًا، توصلت بعض الدراسات البحثية إلى أن استخدام مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية لضبط مستويات السيروتونين في الدماغ يؤدي إلى زيادة السيطرة على سلوك الكلبتومانيا، ما عزز اعتقادهم أن كلا من السيروتونين والدوبامين هي النواقل العصبية الرئيسية المشاركة في حدوث اضطراب هوس السرقة. بينما تقترح بعض الدراسات الأخرى أن الصفات الوراثية والعوامل البيئية تتضافر سويًا حتى تسبب اضطراب الكلبتومانيا. كما تنتشر النظريات الأخرى التي تتبنى بعض التفسيرات المحتملة للاضطراب، أبرزها المنهج التحليلي الذي يقترح أن بعض الأشخاص مدفوعون للحصول على الأشياء عبر سرقتها كتعويض رمزي عن الخسارة أو الإهمال المبكر.

رغم أن الإصابة باضطراب الكلبتومانيا قد تحدث بمفردها، لكنها تظهر غالبًا بجانب العديد من الاضطرابات النفسية الأخرى مثل: اضطرابات المزاج والهلع والوسواس القهري، لكن أبرز الاضطرابات النفسية التي تأتي مصاحبة للكلبتومانيا هي: الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل وتعاطي المخدرات. حيث وجدت بعض الدراسات البحثية أن 59% من المصابين بهوس السرقة يتم تشخيصهم باضطراب عاطفي في مرحلة ما من حياتهم، وأن ما يتراوح بين 43 و55% من المصابين يعانون من أحد اضطرابات الشخصية.

في حين كشفت بعض الدراسات الأخرى أن معدل الإصابة بالكلبتومانيا يرتفع بالتزامن مع حالات نفسية أخرى مثل: اضطرابات القلق والاضطراب ثنائي القطب واضطرابات الأكل. “غالبًا ما يتم تشخيص اضطراب الكلبتومانيا من بين حالات أخرى مثل: الإدمان واضطرابات القلق” يقول بيتر كلاين مؤكدًا على ارتباط الكلبتومانيا بالقلق، “إذا كان الشخص قلقًا، فإن إثارة سرقة الأشياء يمكن أن تساعده في صرف الانتباه عن القلق والمخاوف اليومية”. تتفق مع ذلك الدكتورة جورجينا أوبراين، أخصائية علم النفس السريري التي تعمل في علاج اضطرابات الوسواس القهري، حيث تؤكد أن معظم حالات الإصابة بالكلبتومانيا ترتبط ارتباطا وثيقا بالقلق والاكتئاب عن اضطرابات الذهان.

هل من علاج لهذا الاضطراب؟
يُعتبر اضطراب الكلبتومانيا من الاضطرابات التي نادرًا ما يتم الإبلاغ عنها أو تشخيصها لما يسببه للمصابين به من الحرج والخجل والوصم المجتمعي في الكثير من الحالات. تؤكد ذلك الدكتورة جورجينا أوبراين، أخصائية علم النفس السريري حيث تقول: “نادرًا ما نواجه حالات الإصابة بالكلبتومانيا، حيث يبدو أن مستوى الإحراج يمنع الناس من طلب العلاج طواعية”. رغم عدم وجود بيانات واضحة تعبر عن مدى انتشار الاضطراب بين الناس، فإن التقديرات تشير إلى أن معدل انتشار الكلبتومانيا يتراوح بين 0.3 إلى 0.6%، في حين أن الأرقام الحقيقية المتوقعة أكبر من ذلك بكثير.

هوس السرقة

رغم أن الإحراج والخجل والخوف من الوصم الاجتماعي يمنع المصابين باضطراب هوس السرقة من طلب التشخيص والعلاج والحصول على المساعدة المتخصصة، إلا أن عدم علاج الاضطراب يؤدى إلى الكثير من الألم العاطفي والاجتماعي للمصابين به ولذويهم، علاوة على عواقب كارثية على المستوى القانوني. ففي بعض الحالات يتعرض المصابون بالكلبتومانيا للاعتقال والمحاكمة تارة والسجن تارة أخرى نتيجة قيامهم بالسرقة. فكشفت أحد الدراسات السريرية الأخيرة أن أكثر من 68% من المصابين بالكلبتومانيا تم القبض عليهم بتهمة السرقة، أكثر من 20٪ منهم قد أدينوا أو سجنوا.

مثل الأغلبية العظمى من أنواع الاضطرابات النفسية، لا يوجد علاج محدد ذا فعالية تامة للقضاء على اضطرابات التحكم في الدوافع بما فيها هوس السرقة، ولا يوجد علاج دوائي معتمد من إدارة الغذاء والدواء حتى الآن. لكن عادة ما يتضمن علاج اضطراب هوس السرقة بعض الأدوية مثل: مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية التي ترفع مستويات السيروتونين في المخ، والعلاج النفسي مثل العلاج السلوكي المعرفي، أو كليهما. غالبًا ما يكون العلاج النفسي بمنزلة خط دفاع أولي لمساعدة المريض على اكتشاف دوافعه وتعلّم كيفية التعامل معها وإيجاد طرق أكثر ملائمة للسيطرة عليها.

العلاج السلوكي المعرفي (CBT) هو أحد أهم وأبرز طرق العلاج النفسي، حيث يلعب دورا جوهريا في علاج طيف واسع من اضطرابات الصحة العقلية بداية من اضطرابات النوم والقلق حتى الاكتئاب والاضطرابات النفسية الأكثر تعقيدًا، وذلك لأنه يساعد المرضى على تحديد المعتقدات والسلوكيات غير الصحية أو السلبية ويستبدلها بالمعتقدات الإيجابية، علاوة على مساعدتهم في تحديد التحديات والتعايش معها على وجه السرعة خلال فترة قصيرة. في اضطراب الكلبتومانيا، يساعد العلاج السلوكي المعرفي المرضى على إدراك التفكير السلبي غير الدقيق الذي يساهم في حدوث السرقة، واكتشاف الدوافع التي تحثهم على القيام بالسرقة.

ثم اكتشاف سبب التصرف وفقًا لهذه الدوافع وإيجاد طرق أكثر ملائمة للتخفيف من حدة التوتر والقلق المصاحب لها، بالاعتماد على طرق الاسترخاء المختلفة والتحكم في عملية التنفس. قد يشمل العلاج السلوكي المعرفي عدة تقنيات إضافية تساعد المرضى في التغلب على الرغبة في السرقة مثل: التوعية الخفية، التي يتخيل فيها المرضى عواقب سلبية لقيامهم بالسرقة حتى يختفي الدافع كتعرضهم للسجن مثلًا. والعلاج بالتنفير، الذي يمارس فيه المرضى أساليب مؤلمة بشكل خفيف عند الرغبة في السرقة مثل كتم الأنفاس مما يجعلهم يربطوا بين المشاعر المؤلمة والرغبة في السرقة.

أخيرًا، رغم أن اضطراب هوس السرقة هو اضطراب نفسي خطير قد يؤدي إلى أثار سلبية على أداء الفرد يعيق عيش حياة طبيعية، فيمكن أن تؤدى العلاجات الدوائية بالتزامن مع العلاج السلوكي المعرفي إلى نتائج إيجابية للغاية لحسن الحظ. مع سبل العلاج المناسبة يستطيع المصابون العثور على طرق مختلفة للتعامل مع الدوافع الخاصة بهم واستبدال السلوكيات السلبية التي تدفعهم إلى السرقة بسلوكيات أخرى إيجابية أكثر فائدة.

نقلا عن مدونات الجزيرة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات