مقالات مختارة

ماذا لو قامت قيامة فيسبوك وأخواته؟

ياسر عبدالعزيز

عاجل | عطل تقني يلحق بتطبيقات واتساب وفيسبوك وإنستغرام في مناطق متعددة من العالم من بينها تركيا.

عاجل | فيسبوك: نعتقد أن السبب الرئيسي لانقطاع خدمة الاتصال هو تعديل خاطئ في الإعدادات.

عاجل | موظفة مستقيلة من فيسبوك لشبكة CBS: الشركة فضَّلت أرباحها ومصلحتها دائماً على ما هو أفضل للمستخدمين.

عاجل | نيويورك تايمز: متحدث باسم فيسبوك يقول إن خدمات الشركة تعود ببطء وإن الأمر سيستغرق بعض الوقت.

عاجل | بيان لفيسبوك: يسعدنا الإعلان عن عودة خدماتنا وتطبيقاتنا عبر الإنترنت.

سبع ساعات أو يزيد تعطلت فيها تطبيقات فيسبوك وأخواتها واتساب وإنستغرام عن العالم، أحدثت هزة كبيرة على مستويات عدة، رُفع فيها أقوام وخفض فيها آخرون، تراجعت أسهم شركة فيسبوك 5.63% بعد تعطل المنصة وتطبيقي إنستغرام وواتساب، وفي المقابل تصدر تطبيقا تويتر وتليغرام اهتمام مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن هرعوا لإيجاد بديل للمنصة المعطلة وأخواتها، فارتفعت أعداد مستخدمي التطبيقين البديلين، ما يعني ارتفاع أسهم شركتيهما.

الشركات والتجار الصغار، وكذلك الوسائل الإعلامية الصغيرة مثل القنوات والمواقع تضررت بتعطل تلك المنصات والتطبيقات، فغالباً ما يعتمدون عليها لنقل المعلومات سواء التجارية أو الإخبارية، لما تمثلها المنصة والتطبيقات التابعة لها من سهولة لنقل المعلومات والملفات، فكثير ممن دخلوا عالم التكنولوجيا قريباً لاسيما في عالمنا العربي، لم يعتادوا التعامل عبر الإيميل كما كان متبعاً مع وصول شبكة الإنترنت إلى عالم الأعمال، ولعل وجود المنصة والتطبيقات التابعة من أخوات فيسبوك، على الهواتف الذكية التي انتشرت بشكل كبير خلال العشر سنوات الأخيرة دفع الجميع إلى استخدامها مستصعبين استخدام الإيميل.

لكنَّ أضرار تعطُّل المنصات والتطبيقات تعدت الحدث التجاري والمعلوماتي إلى الوضع الإنساني والتواصل بين البشر، فلقد كانت منصة فيسبوك منصة إخبارية تصل الأقارب والأصدقاء والزملاء وتمثل جسراً لمعرفة الأخبار اليومية بل الآنية بينهم، يتشاركون أفراحهم وأتراحهم من خلاله والتطبيقات الملحقة، ما أحدث حالة انقطاع عاطفي تنامى مع مرور ساعات فيسبوك وأخواتها، وأشعر العالم بأن القيامة قد قامت بقيامة فيسبوك وأخواته.

العالم الذي تحب أن تعيشه

انطلق موقع فيسبوك كأول موقع للتواصل الاجتماعي كنتاج متطور لموقع “فيس ماتش” التابع لجامعة هارفارد، على يد مارك زوكربيرغ في عام 2003، لتنطلق بعده منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي، صمد منها ما صمد وتلاشى، تحت وطأة المنافسة التي لا تعرف الرحمة، بعد دخول العامل التجاري والإعلانات المجال للاستفادة من التدفق اللامحدود للمشتركين، في ظل عالم كثرت فيه الهجرة والأسفار.

لقد كانت منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي عالماً أحب الجميع أن يعيش فيه، فبين الماضي الذي يستذكره فوجده، والصديق الذي استوحشه فوجده، وبين عوالم لم نرَها وغرائب لم نعرفها ومعلومات غابت فجمعناها، وطرائف تثلج القلب وتدخل الابتسام، وغضب يتجمع ليرفض ويغير، كانت منصات التواصل الاجتماعي عالماً أخاذاً يُمضي فيه الناس ساعاتهم.

لقد استطاع مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي أن يحدثوا فارقاً باختراقهم منظومة الإعلام التقليدي الذي استحوذت عليه فئة معينة من المقربين للأنظمة الحاكمة والمسيطرة على الإعلام في بلادنا، ومن ثَم فإن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت إعلاماً بديلاً يستطيع فيه أصحاب الرأي أن يؤثروا على مجتمعاتهم بما تمتاز به تلك الوسائل من سهولة في نقل الأفكار والآراء إلى أعداد كبيرة من المشاركين عن طريق التوسع الشبكي والنقل عن الآخر، وهو ما أنتج  بلورة لرأي عام، وخلقَ وعياً حقيقياً يخلقه التفاعل والمناقشة بعيداً عن الإعلام الموجه ما يعكس التغير الإيجابي الذي يعيشه العالم ومنطقتنا بالأخص، مع ذلك فإن هذا التأثير قد يكون سلبياً؛ إذ إن تلك المعلومات غير المدققة قد تُحدث خللاً إذا ما تم نشرها من غير مراجعة، لاسيما وإن كانت مجهولة المصدر، وقد تكون سلاحاً حده في صدر المجتمع ببث الكراهية أو حرف القيم من أجل تحقيق نتائج يرغبها المؤثر ناقل المعلومة.

لقد فطنت الأنظمة في منطقتنا إلى أهمية منصات التواصل الاجتماعي وتأثيرها على المجتمعات وقوتها في صناعة الرأي العام، فعالجت الأمر بالتوازي بين التضييق، بمنع الوصول إلى المحتوى، أو تقنين تشريعات تحاسب منتجي المحتوى على كل همسة لا يرغبون في نشرها، واتخذت طريقاً آخر بالتوازي تمثل فيه صناعة جيوش من الذباب الإلكتروني، أو ما سُمي باللجان الإلكترونية لتوجيه الرأي العام بما تراه.

وعلى الرغم من الآثار السلبية التي يخرج علينا بها “علماء” الاجتماع والنفس، والعظام، من تقليل عملية الاتصال المباشر بين أفراد الأسرة والمجتمع، وعرقلة اكتساب مهارات التواصل المباشر، وبرودة المشاعر الأسرية والمجتمعية، وانتشار الخمول والكسل، والتهابات العمود الفقري والرقبة وغيرها، فإن منصات التواصل الاجتماعي بقيت هي العالم الذي تحب أن تعيشه.

ماذا لو قامت قيامة فيسبوك؟

علَّق البيت الأبيض على عطل منصات التواصل الاجتماعي، قائلاً إن “منصات التواصل أثبتت أن لديها قوة لا تستطيع السيطرة عليها”، فماذا لو قامت قيامة عالمنا الافتراضي؟

بين مؤيد لإلغائها وبين معارض تباينت الإجابة عن السؤال المطروح، فهناك من يؤيد إغلاق منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها لما لها من آثار على الفرد والمجتمع إلى حد وصف مدمني المنصات الاجتماعية بمرضى التوحد لما تحدثه تلك المنصات والتطبيقات من عزلة وفرقة بين أفراد الأسرة الواحدة، إذ أصبح معتاداً أن تجتمع الأسرة فيزيائياً وتنفصل روحياً، ملتهياً كل فرد منها في جوَّاله ينظر في تطبيق التواصل الاجتماعي الخاص به، متواصلاً مع أشخاص قد يكونون افتراضيين، يمارس كل منهم التجمل إلى حد الكذب على الآخر.

لكن دعونا نذهب أبعد من شبكات التواصل الاجتماعي، إلى حاملها وموصلها، ونطرح سؤالاً أكبر، ماذا لو قامت قيامة الشبكة العنكبوتية؟ ماذا لو انقطع الإنترنت؟

وإن كان السؤال افتراضياً لا يمكن تحققه من الناحية النظرية على الأقل، إلا أن انقطاع الخدمة عن فيسبوك وأخواته يجعلنا نتشكك في مدى قوة الإنترنت وإمكانية سيطرتها على الأحمال التي تنوء بها الشبكة التي يتسابق الشرق مع الغرب لتحميلها المزيد بما تسمى (5G) الذي سيخرج العامل البشري بالكلية عن التحكم فيها ليصبح تعامل الآلة مع الآلة هو الحاكم، كل شيء مبرمج، كل شيء معد مسبقاً وتصبح الآلة هي السيد والمتحكم، والكل مربوط بشبكة صاروخية لنقل البيانات للوصول إلى صفر خطأ في الثانية، لتقود الطائرات نفسها وكذلك السيارات والقطارات وتجرى العمليات البنكية والمحاسبية وتضارب في البورصة وتدفع الفواتير والديون آلياً، كل ذلك مع استخدام مهول للذكاء الاصطناعي الذي يغزو العالم، ولعلكم لن تقرأوا لي بعد ذلك، فالروبوت يستطيع أن يكتب مقالاً رائعاً ينافس فيه عظماء كتاب المقال.

لكن دعونا نتخيل شكل العالم بعد أن اعتمد فعلياً على هذه الشبكة وما تحمله من معلومات للروبوتات من خارقي الذكاء الاصطناعي، فعلى الرغم من أن وزارة الأمن الداخلي في أمريكا طلبت عام 2008، طلبت من سكوت بورج، مسؤول وحدة دراسة تبعات الهجمات الإلكترونية في الولايات المتحدة، أن يبحث في تبعات انقطاع الإنترنت، والذي انتهى إلى أن الآثار الاقتصادية لن تكون كبيرة وإن كان العديد من الشركات سيتأثر، لكن وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً أظن أن بورج سيعيد النظر فيما انتهى إليه.

ويليام داتون مؤلف كتاب “المجتمع والإنترنت” يقول: “إن الناس يستبعدون فكرة انقطاع الإنترنت، وفي الوقت نفسه لا يدركون مدى تغلغل الإنترنت في كل جوانب حياتهم تقريباً”.

إن انقطاع الإنترنت عن العالم سيتسبب في ركود في أغلب الصناعات سيتوقف الطلب عليها إلكترونياً، وستعاني البلدان المتقدمة من أزمات اقتصادية حادة.

وستتوقف المصارف وشبكات الاتصالات، وستنقطع الكهرباء والغاز والمياه وستتوثق شبكات الصرف الصحي، وستختل منظومة الطرق البرية والبحرية والجوية في أغلب دول العالم، ما يعني توقُّف المواصلات وحركة السفر، لكن المبشِّر في هذه الكارثة أن كل الآلات الحربية ستتوقف؛ وهو ما يعني أن السلام سيعم في تلك الفترة، لكن العالم في المجمل سيخسر كثيراً.

إن توقف فيسبوك وأخواته لو أنه علامة من علامات قيامة الإنترنت بما يحمله من خدمات يعتمد عليه العالم حتى أصبح العالم بدون إنترنت عاجزاً عن الحياة، فمن الواجب إذن أن تعمل لدنياك كأن الإنترنت زائل، واعمل لآخرتك كأنَّ الإنترنت باقٍ، وابحث عن بدائل ولا تعجز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى