مدونات

ماذا يعني تحميل المسلمين المسؤولية عن الإسلاموفوبيا؟

صعد الجنرال المنصّة محفوفاً بالتصفيق. تحدّث في مناسبة اعتاد الرؤساء المصريون إلقاء خطابات فيها. إنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، وفي مستهلِّها تطرّق عبد الفتاح السيسي إلى الإسلاموفوبيا ودفع بتفسيره للحالة، فهي تعود عنده – بدرجة ما – إلى واقع المسلمين وأفكارهم وممارساتهم وإلى التطرف المحسوب عليهم أيضاً. ما قاله السيسي في خطاب “ليلة القدر” من سنة 2019 ليس جديداً على أي حال، وإن جاء ردّاً على كلمة شيخ الأزهر في المناسبة ذاتها التي حذّر فيها من التحيّز ضد الإسلام والمسلمين، فاتجاه التعسّف الساذج في تأويل الإسلاموفوبيا يتبنّاه حشد من متحدِّثين ومعلِّقين في منصّات وشاشات عربية، بمنطق ساذج أو محبوك؛ وبعضهم يخدم توجّهات مُسبَقة ومصالح محددة.

دون الانشغال في هذا المقام بالمسألة الإصطلاحية المتعلقة بالإسلاموفوبيا ذاتها، وما فيها من أخذ وردّ؛ فإنّ مدار الحديث هو عن كراهية تعميمية تتوجّه ضد المسلمين ودينهم وثقافاتهم تعبِّر عن ذاتها بتعبيرات مستشرية في منصّات إعلامية وسياسية وثقافية ومجتمعية، وهي كراهية غير مبررة على أي حال، بخلاف الانطباع الذي تمنحه خطاباتٌ مبثوثة في الأفق العربي.

تأويل الإسلاموفوبيا بسلوك المسلمين

يحرص بعضهم ـ بحسن قصد أو سوء نيّة – على تأويل الإسلاموفوبيا من خلال استدعاء سلوكيات محسوبة على المسلمين، فيجعلون سلوك المسلم مؤسِّساً للحالة أو بادئاً بها أو مسؤولاً عنها. لا يلحظ أصحاب هذا التأويل الساذج أنهم وقعوا في أخطاء مركّبة، تبدأ من تنميط المسلم وقوْلبته في صورة أحادية لا تبديل لها. فالمسلم عندهم هو الذي يأتي من الأعمال والتصرّفات ما يُذَمّ ويُستقبَح، وهو تعميم جائر على أي حال يعمى عن تعدّد الحالات في أي سياق مجتمعي عريض أساساً. وهل يستقيم تنميط خُمس البشرية في قالب ذميم على هذا النحو على تنوّع شعوب المسلمين ومجتمعاتهم وثقافاتهم وسماتهم في المشارق والمغارب؟

إنّ خطابات ازدراء الذات التي تصوِّر المسلمين في هيئة أشرار العالم وحقرائه لا تستبطن احتراماً لمعظم البشرية بالأحرى المنتشرة خارج البؤر “المتقدِّمة” في هذا العالم. إنه منطق هشّ على أي حال، لأنه يفترض عقلانية نزعات الكراهية والبغضاء. وليس مطلوباً، بمقتضى هذه الخطابات، من حامل الكراهية في عقله وقلبه أن يتغيّر، وقد يُفهَم من مقتضاها أنّ مسؤوليته محدودة عن أحقاد استبدّت به أو رضخ لسلطانها عليه. إنها ذريعة تبريرية مُثلى لخطابات الكراهية، وإن جاز للقوم أن ينساقوا معها فإنّ عليهم الاجتراء على تأويل التاريخ من خلالها أيضاً وصولاً إلى حاضر البشرية ومستقبلها. فاعتبار المسلمين مسؤولين بدرجة أو بأخرى عن نزعات العنصرية الانتقائية التي تستهدفهم في حاضرهم؛ يقتضي بالمعيار ذاته تحميل إثنيات وفئات وطوائف أخرى مسؤولية شبيهة عن نزعات عنصرية طاردتها في الماضي أو تنال منها في الحاضر.

ومن شأن التسليم بمنطق لوْم الضحية هذا أن يمنح صكّاً تبريرياً للنازية والفاشية، فهل هذا ما يقصده القوم حقاً أم أنّ معيارهم يشتغل مع أقوام دون أقوام وجماعات بشرية دون غيرها؟ وقد يتأهّل هذا المنطق، أو بعض تجلِّياته على الأقل؛ لتحميل الأنبياء والمُرسَلين والمصلحين وجمهرة المؤمنين في أزمان خلَت مسؤوليةً أساسية أو ضمنية عمّا لحق بهم من ألوان الفتك وصنوف الأذى المادي والمعنوي. تكشف بعض التأويلات الساذجة أو المضلِّلة عن منطقها الفجّ الذي يوحي بأنّ المشكلة في عالمنا هي عند المسلمين حصراً، أو هكذا هي تقريباً، وكأنّ الآخرين لا يُخطئون أساساً، أو أنّ أخطاءهم قابلة للتبرير بتحميل ضحاياهم أوزارها، وكأنهم ما نضحوا بالعنصرية إلاّ لِما رأوْه من المسلمين ابتداءً. ولا ينفك هذا الخطاب عن اتجاه ملحوظ لجلد ظهور العرب والمسلمين بسياط التأنيب، مع علوّ نبرة ازدراء الذات وتحقير الأمّة. (انظر مقالة: “ازدراء الذات في نسخته العربية”

إنّ تأويل خطابات الكراهية والنزعات العنصرية بسلوك ضحاياها هو ظُلم مركّب؛ يَلوم الضحية ويُحابي الجاني، ولا يُساعد على فهم الظواهر في منابتها والنزعات في تفاعلها، كما أنه يُراهِن في الوقت عينه على مقاربات وهمية وخيارات مضلِّلة تزعم المعالجة والاحتواء، ومن لَوْم الضحية ما لا يتوقّف عند إشارة حمراء، كأن يمضي إلى تحميل الإسلام ذاته المسؤولية عن نزعات الكراهية والبغضاء التي تسكن أوساطاً سقيمة في عالمنا. ثمة مغالطات منهجية في هذا الشأن. فأصحاب هذا المنطق لا يفرِّقون بين مناحي النقد ونزعات الكراهية، فهذه الأخيرة تتشبّع بالأحقاد وتنضح بالبغضاء وتنتهك القيم والمبادئ بالأحرى.

لوم الضحية وإعفاء الواقع

من تبعات ربط الإسلاموفوبيا بأفكار المسلمين وسلوكهم؛ الإيحاء بأنّ على المسلمين أن يتغيّروا “كي يقبلهم العالَم”، الذي هو “الغرب” عندهم بالأحرى، وهي توطئة ذرائعية لبعض مساعي التغيير التي يذهب بعضها إلى استعمال طرائق تحاكي غسيل أدمغة الجماهير.

لا يرى أصحاب هذه الخطابات مصلحة لهم في مساءلة الواقع الذي تختمر فيه مظاهر التخلّف ونزعات التطرّف – على افتراض التسليم بها – فمثل هذا يفسد الخطة ويعطِّل المغزى. فالقضية عندهم هي أنّ “المشكلة فينا نحن” حصراً بما يقتضي منّا أن “نتغيّر كي يقبلنا العالم”، وهو تغيير ينبغي أن يتمّ على طرائق زبانية حرب الأفكار إياهم الذين يستحضرون المبادئ ويستدعون القيم ويشغلّون الضمائر بصفة انتقائية حسب أهوائهم، كي لا تمسّ مصالح مخصوصة في الداخل والخارج.

لا يجرؤ بعضهم على التذكير بحقوق البشر وكرامة الإنسان وكبح المظالم، وإنّ الدعوة إلى مراجعة “النصّ الديني” – حسب تعبير بعضهم – لأهوَن عندهم من مراجعة المتحكِّمين بالشاشات التي يظهرون عليها والمنصّات التي يعتلونها. لا يقوى أحدهم على مراجعة اختلالات الثروة في واقع المسلمين بين بؤر التكديس القليلة المتخمة بالبذخ؛ وأكثرية من شعوب ومجتمعات مصنّفة في قوائم الفقر والفاقة، يتناقض بعض هؤلاء عندما يطالبون جمهورهم العربي والمسلم بإنعاش ثقافة “التعايش مع الآخر” والابتعاد عن تعميم المسؤولية عن الأوزار، وقد يستدعون من الشواهد المرجعية الإسلامية ما يعزِّز هذا المقصد، لكنّهم يتجاهلون معيار (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) عند اندفاعهم إلى تأويل الإسلاموفوبيا بتحميل المسلمين جريرتها بصفة صريحة أو إيحائية.

لم يفقه بعض القوم كيف تختمر العنصرية الانتقائية وكيف عبّرت عن ذاتها عبر التاريخ، وقد لا يرغبون بذلك بالأحرى لأنهم يراهنون على توظيفها في خطابات تلوم المسلمين وتفرض عليهم أن يتغيّروا لأنّ “العالم يكرهنا”. والتغيير الذي يقترحه هؤلاء هو بما يلائم رؤاهم وتوجّهاتهم ومصالحهم؛ لا بما يعارضها أو يتناقض معها. وصار مألوفاً أن يصدر خطاب لوم الضحية من والغين في انتهاك قيم نادى بها الإسلام وتعارَف عليها البشر في اجتماعهم العالمي المتأخِّر، فهم يلومون شعوبهم وأمّتهم دون أن يراجعوا مسؤولياتهم المباشرة والمركّبة عن حالات المروق والتجاوز.

تقضي خطابات لوْم الضحية بتأبيد منطقها، لأنّ افتراض تحوّل أمّة عريضة أو شعوب وقبائل بالأحرى إلى حالة طهورية متخيّلة يبقى وهماَ لا يتّصل بالواقع. سيبقى المسلمون، كما غيرهم، بشراً يُصيبون ويُخطِئون، وقد تتفاقم بعض المظاهر السلبية ضمن ظرفيات اقتصادية واجتماعية وسياسية معيّنة مما يتوقع منهم ومن غيرهم. أمّا افتراض انقلاب مليار ونصف مليار نسمة إلى حال مُغايِرة لما هم عليه في الأمد المنظور؛ فيبقى ضرباً من الانفصال عن الواقع لا يعترف بالملابسات الواقعية للمعضلات القائمة ولدورات الصعود والهبوط في واقع الأمم.

يستبطن بعضهم خطابات لوم الضحية وتحميل المسلمين جريرة الإسلاموفوبيا وإن لم يُدرِكوا ذلك من أنفسهم، وهذا راجع إلى محاكاة ساذجة لخطابات رائجة وإلى جهل بسنن الاجتماع البشري أيضاً بما ينتهي في مآلاته إلى التماس الأعذار للكراهية والبغضاء في عالمنا. كان لهذا الجهل أو التحامل تجلِّيات سابقة، بتحميل ضحايا النازية مثلاً مسؤولية ما وقع عليهم من اجتثاث وحملات إبادة بمنطق جسيم يفترض أنّ “سوء التصرّف” المفترض من مكوِّنات مجتمعية معيّنة، أو اليهود تحديداً، برّر الانقضاض عليها وتصفيتها وتشريدها. لا يلحظ هذا المنطق أنّ النازية وأخواتها مشبّعة بالعنصرية وأوهام النقاء العرقي وهي لا تخاف الله ولا اليوم الآخر ولم يكن ضحاياها من اليهود وحدهم. تبحث النزعة العنصرية عن فرائسها بمنطقها الملفّق، حتى صار المسلمون هدفاً مركزياً لحملات النازيين الجدد ونسخ اليمين المتطرف الصاعدة من ثناياهم في المشهد الأوروبي.

التطرف والإسلاموفوبيا

يحرص بعض المنخرطين في “حرب الأفكار” المستعرة على جبهة العالم الإسلامي على تحميل “سلوك المسلمين” مسؤولية أساسية أو ضمنية عن الإسلاموفوبيا، وهذه الأخيرة تصير في هذه الخطابات مادة استعمالية لأغراض وظيفية محسوبة. يميل القائلون بهذا إلى تنميط المسلمين في قالب متطرف، أو أنهم يجعلون التطرّف معبِّراً عن الحالة الدينية والثقافية والمجتمعية المسلمة عموماً أو في بيئات محددة خصوصاً. وفي سبيل معالجة هذه المعضلة التي تفترضها هذه الخطابات ينبغي “مكافحة التطرّف”، وهو عنوان عريض للغاية تتذرّع به خطابات تستبطن تحيّزاتها المسبقة وتناقضاتها الجسيمة أيضاً. يتصرّف بعض الداعين إلى “مواجهة التطرف” بمُغالاة ظاهرة إلى حدّ التطرّف عندما يخوضون صراعاتهم على جبهات أخرى، حتى أنّ بعضهم يدعون في لحن القول إلى تعزيز “القيم الإنسانية النبيلة”؛ ثم يدوسونها بالأقدام في واقع الممارسة المشهودة.

يعمد بعضهم إلى تحميل “التطرّف” المحسوب على المسلمين المسؤولية عن الإسلاموفوبيا، كلياً أو جزئياً، وهي حجّة تغفل عن أنّ نزعات الكراهية والعنصرية الجامحة هي من وجوه التطرّف وإن تذاكت في التعبير عن ذاتها، ويبدو أنهم جعلوا الحالة المحسوبة على المسلمين هي المتغيِّر المستقلّ والأخرى متغيِّراً تابعاً، صحيح أنّ بعض الخطابات والممارسات التي تصدر عن أوساط محسوبة على المسلمين ينبغي تشديد النكير عليها، لكن هل يصحّ بمنظور عقلاني اعتبارها مُسيئة للمسلمين عموماً وتحميل أغلبيتهم المعتدلة مسؤوليتها؛ لمجرّد أنّ سذاجة الوعي الجماهيري تتعامل مع معطيات الواقع بانتقائية تضخيمية وتأويلات متحيّزة؟ لماذا يتمّ تعريف “المسلم” من خلال سارق أو قاتل معيّن، وإغفال وفرة من الأطباء والمهندسين والتقنيين والعلماء المسلمين في مجتمعه؟ وكيف صار السارق “مسلماً” في الوعي الجمعي ولم يُعَدَ غيره المُدان بالجُرم المشهود بوذياً أو هندوسياً أو أرثوذكسياً أو كاثوليكياً أو يهودياً أو ملحداً؟

ما يُغري بالانجراف مع خطابات لوْم الضحية هذه أنّ للتطرّف المحسوب على المسلمين منصّاتٍ تزعم ربطه بالإسلام، وأنّ منحى التشويه الذاتي تفاقَم في زمن المقاطع المرئية المغموسة بالفظائع. لكنّ تأويل نزعات العنصرية الانتقائية بهذه المستجدّات يفترض أنّ حالات التطرّف هي المعبِّرة عن المسلمين دون جمهرتهم العريضة في تنوِّعها، مع إغفال نبذ المسلمين المتكرِّر لما يُقترف باسم دينهم من تجاوزات مُنكَرة. من شأن المنطق ذاته تسويغ العنصرية الانتقائية أياً كانت وجهتها، فالأمم والطوائف والمذاهب الفكرية على تنوّعها لم تسلم كما هو معروف ومشهود من حالات تطرّف وبؤر إرهاب تتذرّع بمرجعياتها الدينية والقومية والتاريخية والفكرية والقيمية كل على طريقتها. فإنْ اقترف بعضهم الفظائع وهم يرفعون لافتة “إسلامية”؛ فإنّ آخرين من أمم وشعوب ومجتمعات عدّة عمدوا أيضاً إلى فعل الاجتزاء النصِّي من مقولات دينية واستدعاءات ثقافية وحجج تاريخية يرون أنها تخصّهم، واستعملوها كما يطيب لهم لتسويغ الممارسات الشائنة.

ومن الأخطاء الرائجة تحميل الذريعة التي يُحتجّ بها في تبرير انتهاك معيّن؛ مسؤوليةً صريحة أو إيحائية عمّا يُقترَف باسمها. وإنْ جاز التسليم بهذا المنطق فلن يبقى حجر على حجر في منظومة العقائد والمبادئ والقيم التي تعتدّ بها الأمم والمجتمعات. فلا يخفى أنّ البشر في حاضرهم وعبر تاريخهم احتجّوا بالشيء ونقيضه لتبرير ما يقترفونه، فجاء هذا باسم الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية ووثنيات الأرض جميعاً، أو أتى باسم الدين والعلمانية والإلحاد والحداثة وأيديولوجيات البشر ومذاهبهم في سابقها ولاحقها، واتُّخِذت القيم النبيلة ذاتها ذرائع فجّة لتبرير حملات الحرب والغزو التي أحرقت بلداناً شاسعة وشرّدت شعوباً وقبائل باسم الحرية ونشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وحفظ السلام.

يعني هذا أنّ نزعة اتِّهام الذّات بذريعة التوحّش الميداني اللصيق بحالة “داعش” وأخواتها لا تعبِّر عن استجابة عقلانية، وقد تكون النزعة في بعض صورها استعمالاً وظيفياً لحالة التوحّش لأجل التمكين لأفكار ورؤى تحت وطأة الضغوط والصدمات من فظائع الميدان. وتبقى لـ”داعش” وجوه أخرى بلا عمائم أو لِحى على أي حال؛ في “الأجهزة الأمنية” و”القوات المسلحة” وتشكيلات أخرى مارست التوحّش الميداني على طرائق بدائية أم مُعصرَنة؛ مستعملةً سكين النحر أو البرميل المتفجِّر أو القذيفة الرشيقة.

رهانات ساذجة على “تحسين الصورة”

يبذل بعض المسلمين جهوداً حثيثة لأجل “تحسين الصورة” في محيطهم الاجتماعي، تكمن معضلة هذا الرِّهان في أنّ إدراك الكلمة الطيِّبة والسلوك الحميد لِجارٍ مسلم لا يقضي بتعميم هذا الانطباع الإيجابي على المسلمين جميعاً، فقد يواصل الحسّ العام في وسط معيّن نبذهم أو استقباحهم إلاّ هذا “الجار الرائع”؛ وقد لا يقع تعريفه بأنه “مسلم” نمطيّ وإنما هو “واحد منّا تقريباً”. وإن عُدّ الشخص مُزعِجاً أو ذميماً فإنّه قد يُقدّم برهاناً على حكم تعميمي مُسبَق يُسقَط على المسلمين عامّة.

واقع الحال أنّ العنصرية الانتقائية ونزعات الكراهية والبغضاء لا تنهض على أساس عقلاني أو أحكام موضوعية كما يوحي القوم بذلك، فهي تنتقي صُوَرَها ونماذجَها، وتحدِّد مَن هو المسلم أساساً وتنمِّطه وتقوْلبه على نحو ذميم. كما أنّ بعض رهانات “تصحيح الصورة” تبدو منفصلة عن الواقع إن توقّعت مجتمعاتٍ بلا أخطاء، وقد تطلب هذا من المسلمين وحدهم في استثناءٍ عن السياق البشريّ العام، راهنت دول عربية على “تصحيح صورة العرب والمسلمين في الغرب”، فحرصت أشدّ الحرص على تقديم نساء في الواجهة لإدارة العلاقات العامة مع الوفود الغربية، وجرى تنصيب وزيرات في مواقع مكرَسة في جوهرها لأغراض الدعاية الخارجية. تعبِّر بعض المساعي المبذولة في هذا الشأن عن محاولة الظفر بشهادة “حسن سيرة وسلوك” من جهات غربية يُتصوّر أنه تمنح وتمنع. لكنّ الرِّهان الساذج قد ينتهي بتفسير “التقدّم الملحوظ” بأنها ثمرة محاكاة للغرب وبعضه هو كذلك حقاً؛ دون أن تُحال فضائله إلى الهوية الذاتية للعرب والمسلمين، فأي “تصحيح للصورة” يتحقّق بهذا الرِّهان؟

ثم إنّ بعضهم يخلط بين خطابات ترشيد السلوك، وهذه لا غنى عنها بلا ريْب؛ وخطاباتِ تأويل النزعات وتفسير الظواهر. فإنْ كان على المسلم أن يستقيم ويُحسِن التصرّف كما يُرجى منه مبدئياً؛ فإنّ سوءَ تصرّفه لا يقضي بأنّ سلوكه هذا هو منشأ النزعة العنصرية ومنبت الكراهية التي تستهدف عموم المسلمين، وإن تذرّعت النزعات الذميمة به وبأمثاله من المُسيئين. وهل من الإنصاف تعميم إساءات مخصوصة على الجميع، سواء أكانوا من المسلمين أم من غيرهم؟

افترَضت خطاباتٌ متسرِّعة من قبل أنّ “تحسين صورة المسلمين في الغرب” يتطلب أن تكون للمسلمين “دولة قوية”، أو دول ذات شأن بالأحرى. سُمِعت هذه النبرة في ثنايا الحرص على “تحسين الصورة”، وهذا لدى “الغرب” تحديداً الذي يختزل العالم في ذاته حسب الأفهام التي تعيش بمنطق العالم الثالث الذي لا يعبأ بأمم وشعوب ومجتمعات أخرى واقعة خارج وصف “الغرب”. تعود هذه المقاربة إلى ربط الإسلاموفوبيا بواقع المسلمين، وهذا خطأ منهجي، ثم إنها لا تلحظ أنّ بروز دول مسلمة “قوية” كفيل بأن يبعث خطابات “التهديد الإسلامي” من مراقدها؛ أو أنه قد يُذكي مُنافساتٍ محمومة وصراعات استراتيجية لا تُسعِف في إطفاء الإسلاموفوبيا المتأججة وقد تؤجِّجها بذرائع أخرى.

التعامي عن إنجازات وخدمات

شاعت فرضياتٌ، ساذجة بطبيعتها، حَسِب أصحابُها أنّ تحسين رصيد المسلمين من الإنجازات المشهودة ودفعهم بمزيد من حاملي الشهادات وأصحاب الإنجازات في مجتمعات أوروبا والعالم قد يُجهِز على كراهية الإسلام والمسلمين. لم يلحظ القوم أنّ تأجّج الإسلاموفوبيا يترافق مع ازدياد حضور الكفاءات المسلمة في مواقع الاختصاص ضمن عدد من المجتمعات المعنيّة، حتى يصحّ الافتراض بأنّ المشافي في بعض الدول الأوروبية ستتعطّل إن نُزع منها الأطباء والأخصائيون المسلمون المنبثّون فيها. ثم إنّ العالم العربي والإسلامي يجود على أوروبا وبلداناً غربية أخرى بعصارة أذكيائه وخلاصة كفاءاته تحت تأثيرات طاردة أو طمعاً بـ”العملة الصعبة”، في نزيف أدمغة مُزمِن من الشمال إلى الجنوب، وأنّ أوروبا ربحت بضربة واحدة عشرات الألوف من الكفاءات في موسم واحد ضمن أفواج اللاجئين العرب، لكنّ الأبصار المتحيِّزة تخترع الواقع بانطباعاتها أو تشكِّل مشهده بتحيّزاتها.

قدّم مسلمو أوروبا مُساهماتٍ جليلة لبلدانهم ومجتمعاتهم الأوروبية لم يُعترَف بها كما ينبغي. ومن وجوه الجوْر إنكار خدماتهم التي تبدأ من دافع الضريبة وعامل البناء أو المصنع وسائق الحافلة العمومية؛ وتصل إلى وفرة الاختصاصات عند أجيالهم الجديدة التي يكبح بعضها “سقف زجاجي”؛ أو عوائق غير مرئية تحدّ من فرص الصعود الاجتماعي. شقّت أجيال من مسلمي أوروبا الأنفاق تحت حواضرها، وصعدت بالعمائر في بنيانها، وشغّلت المصانع والمعامل، وأنعشت أجيالٌ لاحقة منهم حركة الاقتصاد من خلال مؤسسات صغيرة ومتوسطة أسّستها وأدارتها في قطاعات إنتاجية وخدمية متعدّدة، ابتَنَت عربيةٌ مسلمةٌ لأوروبا طائفة من أبهى صروحها الحديثة، لكنّ أشهر معمارية في العالم لم تُحتَسَب بمنجزاتها المشهودة في رصيد مسلمي أوروبا، ثمّ رحلت زها حديد عن قرابة ألف عمل معماري وفني تتقاسمها أوروبا مع قارات الأرض دون أن تُعَد سفيرة مسلمة لتعمير أوروبا.

ظلّت بعض الخطابات المتعالية تُطالب المسلمين بإنجازات نوعية لأجل “تحسين الصورة” وكي “يَعترف بكم الآخرون”. فهل تعدّل الموقف جوهرياً مع محمد صلاح وزين الدين زيدان ومسعود أوزيل وكريم بنزيمة وإريك إيبدال وسامي خضيرة وآخرين كثر بزغوا نجوماً في الملاعب الأوروبية؟

مَن لم يعترف بمنجزات راسخة فوق الأرض أو منطوية في ثنايا الواقع أو متحرِّكة على الملاعب الخضراء؛ فإنّ الشواهد المتراصّة في مقابر الجنود المسلمين الذين أرغمتهم قوى استعمارية أوروبية على خدمتها في ميادين القتال في الحربين العالميتين تبقى حاضرة عبر الأجيال، وإنْ غفل القوم عنها أو تغافلوا. وهل من “خدمة” أو “مساهمة” للدولة أكثر من بذل الدماء على جبهاتها، وإن كانت تلك معارك جائرة جيّشت المجنّدين من المستعمرات والمناطق المحتلة بمنطق التسخير والإرغام؟ إنهم جنود مجنّدة في القوات الفرنسية والبريطانية والنمساوية وغيرها، ومنهم قرابة مليونين ونصف مليون جندي ومستخدم مسلم في صفوف قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى وحدها تقاسمتهم الثكنات والخنادق والمدافن، واختنق بعضهم بالغازات السامّة على الجبهات أو تفحّمت أجسادهم أو تقطّعت أطرافهم. لكنّ المنساقين خلف الإسلاموفوبيا لم يجدوا وقتاً لفحص شواهد القبور في نوتردام دو لوريت في فرنسا أو وكينغ في إنجلترا أو تشستر فارم في بلجيكا أو فينافرو في إيطاليا أو ليبرينغ سانت مارغريتين في النمسا أو غيرها.

لا تغيب شواهد الإنجاز لمن يطلبها، لكنّ منطق القوالب النمطية والأحكام المسبقة ليس موضوعياً أساساً، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)، سورة الحج 46، ما ينبغي التحذير منه بلا هوادة، أنّ خطاب الحثّ على الإنجاز لأجل “تصحيح الصورة”، سينطوي على إخلال جسيم إن سوّغ العنصرية وبرّر الكراهية بحق “مَن لم يُنجزوا”، وهو ما يتساوق مع الداروينية الاجتماعية. يُطيح هذا المنطق العابث بمبادئ أساسية وقيم جوهرية عندما يضع لاحترام الإنسان شروطاً مسبقة، وهو ما ينزع التقدير عن أمم وشعوب ومجتمعات وقبائل وفئات عريضة من البشر، أو يضعها في مراتب أدنى في مؤشِّر الكرامة البشرية؛ لمجرّد أنها ليست من محظيِّي الأرض أو من نخب مجتمعاتها والعالم.

انتقائية التأويل

إنّ الخطابات التي تستسهل تأويل العنصرية والكراهية والإسلاموفوبيا بمنطق لَوْم الضحية؛ تلتقي في نقطة ما مع نزعات متعالية يستعملها ساسة متغطرسون في بلدان أوروبية مع الأجيال المسلمة الجديدة من مواطنيهم، كما تتناغم مع انخراط أوساط إعلامية وثقافية في منحى التأويل الثقافي والديني لتجاوزات تُحسَب على المسلمين، مع التذرّع بعبارات منمّقة من قبيل أنّ “الجرائم والاعتداءات لا تهبط من كوكب آخر، وإنما هي وقائع تتفتق عنها مجتمعات البشر”.

فمن التقاليد المألوفة في التناولات الإعلامية في بلدان أوروبية وغربية عزل بواعث الاعتداءات والجرائم المروعِّة في نطاق مرتكبيها وتأويلها من خلال حالاتهم الشخصية، لكنّ هذا الاهتمام قد يمتدّ إلى البحث عن “خلفيات ثقافية” أو “تأويلات دينية” أو “شبكات دعم” للواقعة بمجرّد أنْ اتّضح أنّ “الفاعل مسلم”، وقد تتعقّب صحافة التحقيقات المشبّعة بالإثارة خيوط الحدث في أحياء سكنية مكتظة بقاطنيها بما يقضي بتنميط مناطق بكاملها ذات أغلبية مسلمة مثل ما حصل مع سان دوني في باريس ومولمبيك في بروكسيل. وقد يتحرّى بعضهم عن المسجد الذي كان يصلي فيه الجاني، وقد يُوضع خطيب الجمعة في دائرة الشكّ، وسيكون على المسلمين وتجمّعاتهم ومؤسّساتهم أن يعلنوا براءتهم ممّا جرى “باسم دينهم”، وأن يتنصّلوا بسيْل من البيانات والتصريحات من المسؤولية عن فظائع لم يقترفوها.

يقضي التقليد المتكرِّس بالبحث عن سياقات دينية وثقافية لتفسير الواقعة الجنائية أو العمل الإرهابي التي يقترفها شخص مسلم، فتتوارى تفسيرات وجيهة عن “متاعب نفسية” عاناها المعتدي، بخلاف اعتداءات وجرائم أخرى يُكتفى معها بالقول إنّ الجاني مضطرب نفسياً أو أنه عانى الاكتئاب لانفصال صديقته عنه، أو ربّما ضاقت عليه الأرض بما رحبت بعد تسريحه من العمل.

إنّ تحرِّي دوافع ومحفزات “إسلامية” لأفعال منبوذة؛ يُفضي في المحصلة إلى إسقاط نظرة اتِّهامية جائرة على المسلمين عموماً وإن جاءت في هيئة لوْم رمزي. ولا يخفى ما تكبّده مسلمو أوروبا من أعباء معنوية فادحة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين بذريعة جرائم واعتداءات اقترفها أفرادٌ وجرى تأويلها في سياقات ثقافية أو دينية؛ بما ألقى بالمسلمين عموماً في دائرة المساءلة الرمزية. هذا ما ظلّ يجري تقريباً بعد كل حلقة من سلسلة الأحداث الصادمة والتطوّرات الحادّة التي عرفتها بلدان أوروبا بمجرّد أن يظهر أنّ “الفاعل مسلم”. برزت مع كل جولة من الهجمات، تعبيرات ومصطلحات مشحونة بحمولات شديدة الوطأة على المسلمين بلغت أحياناً حدّ الإهانة الصريحة أو الإيحائية لدينهم، وعبّر الانجراف عن ذاته في تفاقم ثقافة الحظر التي استهدفت المسلمين انتقائياً في المجتمع بطرق صريحة أو مُستترة وإن تذاكت في محاولة حشد الذرائع لها.

تمّ خلال ذلك تجاهُل طيْف عريض من المنظمات والعصابات الأوروبية التي تؤمن بالعنف والترويع وبعضها يمارسه على أرض الواقع أو يحضِّر له عبر شبكات منظمة تتحرّك في دول عدّة بشعارات ورايات تتذرّع بمرجعيات قومية ودينية وثقافية وتاريخية وأيديولوجية. ومن مؤشِّرات تضخّم الوعي الانتقائي أن تقترح محركات البحث الشبكية على متصفِّحيها كلمات مفتاحية ذات صلة بالإسلام والمسلمين لدى التنقيب عن مفردات الإرهاب والعنف، تعود المعضلة إلى النظرة إلى مكوِّن معيّن على أنه استثناء عن المجتمع العريض أو السياق الإنساني العام. تعلِّمنا تجارب التاريخ أنّ النظر إلى مجموعة من البشر على أنهم استثناء، ليس سوى المقدمة التي تتأسس عليها العنصرية الانتقائية، وهي إن واصلت طريقها دون اعتراضات؛ قد تجرف بعض القيم والمواثيق في طريقها فتكبح اشتغالها في نطاقات معيّنة.

يظهر الاختلالُ جسيماً إزاء المجازر والاعتداءات والجرائم المروِّعة التي تتلاحق في مجتمعات “متقدمة” وبلدان “متطورة”، فلم يكن من شأنها أن تحفِّز أي بحث جادّ عن سياقات ثقافية وقيمية معيّنة يمكن افتراضها، ولم يأتِ الشكّ على المجتمع الذي نبتت هذه الوقائع من ثناياه، فبقي الجاني المباشر وحده في دائرة المساءلة واللوْم غالباً، ولم تُسمَع مقولات من قبيل أنّ “الجرائم والاعتداءات لا تهبط من كوكب آخر، وإنما هي وقائع تتفتق عنها مجتمعات البشر”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى