مدونات

ماذا يوجد في رسائل المعتقلين السياسيين؟

تابعت عن كثب ردود الفعل المتعلقة برسالة عدد من المعتقلين السياسيين في السجون المصرية، التي وجهوها لقيادات جماعة الإخوان المسلمين، وبعين الباحث المهتم، وبضمير المعتقل السابق في السجون المصرية بعد انقلاب يوليو 2013، وقراءة عميقة بالبحث والتحليل حينًا والعاطفة حينًا آخر. أستطيع أن أكتب تأييدًا لهذه الجهود الإنسانية – في المقام الأول – والرامية إلى هدف لن يختلف عليه اثنان ذوا عقل وقلب سليمين، وهو الخروج من غياهب السجون المصرية حيث لا آدمية، إلى رحاب الحياة حتى وإن لم تكن حياة تسرّ، لكنها بكل تأكيد أفضل من ظلام السجن وجحيمه الذي يأكل الجسم ويُصيب باليأس. وبعد اطّلاع على تفاصيل غير منشورة وتواصل مع عدد من هؤلاء الشباب وصداقتي  بعضهم لسنين، أقول:

– كانت رسالة الشباب واضحة لقيادات الإخوان المسلمين دون تخوينهم أو اتهامهم بالفشل، ووُجّهت للقيادات التي لم تأل لقضية المعتقلين أي جهد إلا في سياق التنديد بجرائم نظام العسكر، وحملات حقوقية ونداءات واستغاثات لم تُجدِ نفعًا ولم تُخرج أحدًا من محبسه، ولم تردع هذا النظام السلطوي الذي يحظى بدعم خارجي. الرسالة واضحة في طلب كلمة أخيرة من قيادات الإخوان المسلمين، على اختلاف مواقعهم بين أكثر من فريق داخل الجماعة الآن، بأن قولوا كلمتكم الأخيرة في شأن قضية المعتقلين، كيف ستخرجوننا من السجون، وإلى متى سنظل؟ ولم يكن هذا الشباب يتوقع أن يتلقوا هذه الردود التي تنوعت بين التخوين وإطلاق الاتهامات بالعمالة والتخوين والتعامل بتسفيه مع مطالبهم. وقبل كل ذلك السكوت عن إخراج أي بيان، وما أكثر بيانات الإخوان، برؤية واضحة لهذه الرسالة، إلا من ردود بائسة وصلت إلى اعتبار نائب مرشد جماعة الإخوان المسلمين أ. إبراهيم منير في تعليق متأخر للغاية، “أن الرسالة مكتوبة بيد الأمن ولا يمكن أن تؤخذ على محمل الجدّ!”.. 

– تعاملت وسائل إعلام الإخوان الكائنة معظمها في تركيا مع الرسائل، وكأنها لم تكن من الأساس بدلًا من تناولها في حوار قد يطرح رؤى متنوعة حيال قضية المعتقلين السياسيين، وتمادت في أسلوب رخيص وهو إطلاق رسالة أخرى من المعتقلين بمناسبة عيد الأضحى المبارك، يؤكدون فيه ثباتهم ووقوفهم مع الشرعية – ولا أعلم حقيقة أي شرعية يقصدون – وتناسوا أن هناك مئات من الشباب قد أصدروا رسائل استغاثة بقيادات الإخوان في الخارج أن ردّوا علينا وبيّنوا رؤيتكم على الأقل!

مُلأت رسالة المعتقلين بعبارات تدلّ على تدهور الحالة الفكرية، التي أودت بكثير من الشباب نحو التطرفين “الراديكالية والإلحاد”، ورؤية واقعية برسوخ النظام المستبد إلى أمد بعيد بفعل ما يحظى به من آلة بطش لا تستثني أحدًا، ودعم دولي غير منقطع من دول إقليمية كالإمارات والسعودية و”إسرائيل”، وقوى دولية كأميركا وفرنسا وروسيا بفعل المصالح السياسية والمالية والعسكرية، وآفة الدعم الذي يتلقاه بغرض استقرار الأنظمة الحاكمة بغض النظر عن التزامها بحقوق الإنسان، كانت الرسالة موقنة بأنه لا خلاص قريبًا لقضية المعتقلين السياسيين تحت وطأة هذا العجز من قيادات جماعة الإخوان المسلمين وازدياد بطش النظام يومًا بعد يوم، وأن كثرة النداءات عند منظمات حقوق الإنسان لن تُجدي شيئًا دون وجود دعم من أنظمة فاعلة على النظام المصري القمعي لإخراج هؤلاء الشباب، فاختاروا الحل بأنفسهم..

تسوق جماعة الإخوان حججًا واهية، مفادها أن الرضا بمفاوضة النظام على المعتقلين هو اعتراف بشرعيته وإعلان هزيمة، لكنها لا تُقدّم حلًا آخر عن كيفية إخراج المعتقلين، وعلى مدار 6 سنوات لم تُخرج حلًا واقعيًا لقضية المعتقلين السياسيين، ناهيك عن زيادة حدة الاعتقال والإخفاء القسري والقتل خارج إطار القانون يومًا بعد يوم، وتُراهن بعض القيادات على عامل الزمن في تفتت نظام السيسي الذي سيدفع في وقت من الأوقات بخروج المعتقلين وهو ما لا تفيد به أي من مؤشرات الزمن، والواقع أن نظام السيسي يزداد رسوخًا في القمع يومًا بعد يوم لأسباب أسلفنا ذكرها.

أفادت الرسالة بوجود انقسام كبير بين المعتقلين السياسيين في السجون، انقسام بعيد عن الانقسام الأيديولوجي الموجود بفعل توسّع رقعة القمع وعدم اقتصاره على الإسلاميين، انقسام في الرؤى وتعامل كالفرق المتناحرة وصفته الرسالة بأنه جيلي بين الشيوخ والشباب، وهو ما أتوقع أن يكون أوسع من ذلك، انقسام وسّع من الشقاق الذي لن يصل بقضية المعتقلين نحو الحل، وتغيّر كبير في الأفكار نحو تطرف وأمراض مجتمعية بين تكفير وإلحاد.

استغلت أطراف سخيفة هذه الرسالة لصناعة مجد زائف واستجداء لكثير من “لايك وشير” على فيسبوك على حساب تلك الرسائل، ورفض بعض آخر نشرها من أجل مصالحه الشخصية، وتعامل معها بعض آخر على أنها حدث عابر سيزول، وتعامل معها بعض ممن يحسبون أنفسهم على المعارضة بأنها رسائل من الإسلاميين الذين لا يتفقون معهم مهما حدث، فمعارضتهم للسيسي تختلف كثيرًا! وقد كشف التعامل مع هذه الرسائل حجمًا أكبر من مأساة المبادئ التي يعيشها محسوبون على المعارضة المصرية.

المرجوّ أن يعبّر المعتقلون عن نفسهم برسائلهم ومبادراتهم التي تنبع منهم، بخط يدهم وبتوقيعاتهم ووصف حالاتهم لا أن يسطو على آرائهم من يسوّغ عنهم مبادرات أو حالات.. أن ينتقل المعتقلون السياسيون إلى مربع الفاعل السياسي هو ما سيفعّل قضيتهم وينقلها نحو الخطوات الفعلية، وأن تنتقل الكلمة للمعتقلين أنفسهم ليعبّروا عن رؤيتهم دون وصاية من أحد هذه المرة. وقديمًا قالوا “أعطوا العيش لخبازه”..

بقلم\ سيف الإسلام عيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى