مدونات

ما أسوأ أن تفقد الثقة في وطنك

لحبيب آيت أ صالح

لم يعد الوطن يثير اهتمام الشاب المغربي، فهو مليء بما يكفي من الحقد لكي يغير نظرته تجاه وطن ما انفك يرغب في مغادرته مع أول فرصة لذلك، لقد امتلأ بالأسباب التي تدفعه للرحيل، من أجل أن يبحث عن وجهة أخرى تغنيه بشاعة وطن يدفعه إلى اليأس، واحتل الألم مكان الأمل أكثر مما يتحمل هؤلاء الشباب، ولا حياة تنادي وسط هذا الضياع، لقد تمكنت الخيبة من هؤلاء الشباب، رغم كل ما تقوم به الدولة لإعادة الروح في أرواح شباب لم يعد حب الوطن ضمن أولوياتهم، يبدو أن واقع الحال يدفع أولئك الذين أدركوا بشاعة المنظر إلى التفكير في أقرب الطرق للهجرة، لأنه لم يعد لديهم ما يكفي من الأسباب للبقاء، لا يهمهم المصير المجهول الذي ينتظرهم، كل ما يهمهم هو محاولة الخروج، وما بعد ذلك لا ينشغلون به، وإن كان أسوأ مما هم فيه، ذلك أنهم فقدوا الثقة في وطن لا يشعرون فيه بإنسانيتهم.

لعل واقع الحال في المغرب ينذر ناقوس الخطر، فلم يعد يسيرا إقناع الشاب المغربي بتغيير رأيه، لقد انكسرت ثقته في كل شيء، حتى نفسه لم يعد يثق فيها تماما، فما بالك بوطن يدفعه إلى الانهيار، وإذا كان هذا جزء من العالم الثالث، فإن الحياة أصابها وعي لم يجد حيالها الشاب المغربي إلا إعادة النظر في حياته وأوضاعه، وبدا له مستقبله مجهولا إلى حد كبير وسط هذا الكم الهائل من الفوضى التي تحيط بالوطن، رغم أن البعض يعتقدون عكس ذلك، في ظل ذلك بدأ وعي الشباب يستفيق من سبات ظل لعقود طويلة في خبر كان، ربما ساهمت الثورة التكنولوجية في ذلك، لكن مرارة الواقع جعلت الشباب غير قادر على تحمل المزيد، فلم يجد غير التفكير في الهجرة بديلا ينسج معه خيوط مستقبل محفوف بالمخاطر.

بقدر ما يتطور العالم بسرعة، بقدر ما أخذ المغرب نصيبه من هذا التطور، فكان من الطبيعي أن يستفيق الشاب المغربي من نومه، ليعيد ترتيب حكايته، تلك التي يحاول الوطن جاهدا أن ينسجها على طريقته، ربما زمن ذلك ولّى، وصرنا أمام عصر إعادة النظر، ومحاكمة الواقع، والبحث عن فرص أفضل للحياة، لم يعد الشاب المغربي مقتنعا ببساطة الحياة، لطالما كان الانسان لا يعطي للأشياء البسيطة أكثر مما تستحق، رغم ما يتظاهر به بخصوصها، من الطبيعي أن يسعى الانسان إلى البحث عن أمور تستعصي على التحقق، وأن يعمل جاهدا من أجل تحقيقها، هكذا أضحى حال الشاب المغربي الذي ما انفك يبحث لنفسه عن نفسه، ولم يعد راضيا عن وضع ظل لسنوات يبرره لنفسه دون معنى، والآن فقد القدرة على التحمل، وفقد القدرة على المزيد من الانتظار، لعله قنبلة موقوتة تنتظر أن تجد الفرصة المناسبة للانفجار.

تحاول الدولة بكل أنظمتها أن تزرع حب الوطن في النفوس، لكن هذا الحب يفقد معناه، بمجرد ما يتساءل الشباب عن مكانتهم داخل أسوار الوطن، من المعقول أن يعيشوا حياة كريمة، توجد فيها شروط العيش كما ينبغي، لكن ليس من المعقول في نظر هؤلاء أن يعيشوا حياة خالية من المعنى، ليس المعنى الذي يختارونه هم، ولكن المعنى التي سيشعرون من خلاله بأن حياتهم تستحق أن تعاش، نعم الحياة عموما تستحق أن تعاش، لكن في ظل ظروف ملائمة، يتنفس فيها المرء عبق الوجود، لكن معالم هذه الفكرة تتغير في واقع لم يجد حياله الشاب المغربي إلا الأسف على ظروفه، لم يختر هذه الظروف، لكنه وجد نفسه فيها، كانت له أحلام يطمح إلى تحقيقها، لكن واقعه يدفعه لكي يجر عربة خيبته الوجودية، تلك التي ورطته في منطقة جغرافية، رغم ما فيها من جمال، إلا أن أول ما يرغب فيه الشاب المغربي هو مغادرتها.

هل الحياة قاسية إلى الحد الذي جعلت جل أطياف هذا المجتمع يعاني الويلات؟ وهل الواقع واقعي إلى هذه الدرجة؟ إلى الدرجة التي تصبح فيه المرارة شيئا طبيعيا، لقد امتلأ الشاب المغربي بما يكفي من الأسباب لكي يرفض تواجده في وطنه، فلم يعد الشباب يقف بكل حماس لتحية النشيد الوطني، ولم تعد قضايا الوطن تثير اهتمام الشباب، ربما سئموا منها، وسئموا من انتظار مستقبل مجهول، ولم يعد بوسعهم إلا البحث عما يمكن أن ينسيهم هذا الواقع، ثم البحث عن سبيل ممكن للهرب، يبدو صعبا أن تختبر الحياة في أبشع صورها، ورغم ذلك تتظاهر بالثبات، وأنت الممتلئ بالأحزان، ليست تلك الأحزان التي تصيبنا مع الآخرين، ولكن الأحزان التي نقف فيها أمام الوجود، متسائلين عن نصيبنا من الحياة، ومستنجدين بما يمكن أن يسعف استمرارنا كما ينبغي.

نقلا عن ،، مدونات الجزيرة 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى