مقالات مختارة

متى تتوقف قيادة الإخوان عن الارتجال؟

أحمد عبدالعزيز

كم هو مؤسف ومؤلم أن يكون التعليق “مفيش فايدة”، بعد قرن من التأسيس، وتضحيات جِسام؛ بشرية ومعنوية ومادية لا يمكن حصرها ولا تقديرها! فلا تقويم للتجارب، ولا مراجعات حقيقية مبنية على أسس علمية، ولا خطاب محكما منضبطا مقنعا!

لا يزال الارتجال، وعدم النضج، والالتفاف حول بعض الثوابت، واختراع ثوابت جديدة، تهيمن جميعا على “خطاب الإخوان”! وهذه نتيجة حتمية ومنطقية لخلو سدة القيادة من أهل التخصص وذوي الأهلية، فضلا عن “زهد” هذه القيادة في الاستفادة من أهل التخصص والخبرة المخلصين من الإخوان، ومن غير الإخوان المستعدين (دوما) لتقديم المشورة ابتغاء وجه الله، لا طمعا في مال ولا موقع!

يأتي هذا الكلام “المزعج” بمناسبة التصريحات التي أدلى بها فضيلة الأستاذ ابراهيم منير، القائم بأعمال المرشد العام للإخوان المسلمين، لوكالة “رويترز”، قبل أربعة أيام.. تلك التصريحات التي جاءت مشوَّشة ومشوِّشة، ففجرت بركانا من الأسئلة المختلطة بالأسف، والسخط، والضجر، وعوالق أخرى زادت المشهد قتامة!

لا يزال الارتجال، وعدم النضج، والالتفاف حول بعض الثوابت، واختراع ثوابت جديدة، تهيمن جميعا على “خطاب الإخوان”! وهذه نتيجة حتمية ومنطقية لخلو سدة القيادة من أهل التخصص وذوي الأهلية، فضلا عن “زهد” هذه القيادة في الاستفادة من أهل التخصص والخبرة المخلصين

ومن أعجب ما قرأت من “تحليلات” لهذه التصريحات “ربما كان الإبهام فيها مقصودا”!! ولست أدري عن أي “إبهام” يتكلم الصديق العزيز والوضع مبهم بهيم مظلم حالك السواد، لا يكاد المرء يرى فيه راحة يده؟! وإذا كان بالإمكان تفسير المبهم (للإخوان) من خلال الأُسَر، فمن يُفسر هذا المبهم للملايين من أنصار الإخوان الذين تبنوا “مظلومية” الإخوان، منذ تسع سنوات، ولا صلة تنظيمية تربطهم بالإخوان؟! أليس لهذه الملايين أي اعتبار لدى قيادة الإخوان، وهم أكثر من الإخوان، وفيهم من هو أخلص للإخوان وأحرص عليهم من بعض قيادات الإخوان الذين لا تجد في “سيرهم الذاتية” إلا الأنانية والنزق والأخطاء الكارثية؟!

يقول الأستاذ منير، متعه الله بالصحة والعافية، في تصريحاته محل الحديث: “.. نرفض أن يكون هناك صراع على الحكم في مصر بأي صورة من الصور.. حتى لو كان الصراع بين الأحزاب في الانتخابات السياسية أو غيرها التي تديرها الدولة.. هذه الأمور مرفوضة تماما ولا نقبلها”.

هل هذا كلام يُقال يا أستاذ؟!

ألا تعلم (يا أستاذ) أن الصراع على الحكم قضية أزلية، منذ عرفت البشرية معنى الحكم، إلى الحد الذي يمكن اعتباره سنة كونية؟!

ثم كيف يتم الوصول إلى الحكم (بغير صراع) في بلادنا المنكوبة التي لا يمكن اعتلاء سدة الحكم فيها إلا بالقوة؟! كما لا يمكن البقاء على رأس السلطة فيها دون الإطاحة (الدورية) بالخصوم، أو المنافسين المتطلعين للحكم، بأحط الوسائل وأحقرها، وأشدها خسة ونذالة؟!

لا يمكن مقارنة هذا الأسلوب الهمجي (المُعتمَد والراسخ منذ عقود) للوصول إلى الحكم في بلادنا بأسلوب الدول “المحترمة” التي تمارس “التنافس الحزبي” للوصول إلى الحكم؛ بغية توفير الحياة الكريمة للمواطن، والحفاظ على كينونة الوطن وتعظيم مركزه الإقليمي والدولي!

بطبيعة الحال، لا يمكن مقارنة هذا الأسلوب الهمجي (المُعتمَد والراسخ منذ عقود) للوصول إلى الحكم في بلادنا بأسلوب الدول “المحترمة” التي تمارس “التنافس الحزبي” للوصول إلى الحكم؛ بغية توفير الحياة الكريمة للمواطن، والحفاظ على كينونة الوطن وتعظيم مركزه الإقليمي والدولي! فشتان شتان بين “الصراع الهمجي” لدينا الذي لا يستفيد منه إلا القابضون على زمام السلطة، و”التنافس السلمي” لديهم الذي يستفيد منه الوطن والمواطن على السواء، ولا يحقق فيه المسؤول (النزيه) أي مكسب إلا بعد مغادرته السلطة، بإلقاء المحاضرات، أو كتابة المذكرات، أو تقديم الاستشارات، أو كل ذلك، وإلا فالمحاكمة في انتظاره، حتى لو غادر السلطة.

واستطرادا..

هل يوجد (يا أستاذ) انتخابات لا تديرها الدولة، في أي دولة؟!

منذ متى (يا أستاذ) كانت “هذه الأمور” مرفوضة عند الإخوان ولا يقبلونها؟!

ألم ينافس الإخوان في الانتخابات النيابية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي وحتى انتخابات برلمان وشورى 2011-2012، والانتخابات الرئاسية اليتيمة التي جرت في منتصف 2012؟!

ألم يترشح الأستاذ البنا لمجلس النواب، ثم سحب ترشيحه بعد تفاهم مع مصطفى النحاس باشا، ثم خاض الانتخابات مرة أخرى، وأسقطته الحكومة بالتزوير؟!

أليس للأستاذ البنا موقف سلبي من فكرة “الأحزاب”، وهو موقف معروف ومنشور؟! ما الذي تغير في واقع السياسة المصرية، فحمل الإخوان على تأسيس حزب “الحرية والعدالة”، فخالفوا (بذلك) رأي الإمام المؤسس في الأحزاب؟!

ما مصير الشعار الانتخابي “الإسلام هو الحل”؟! من الذي سيحول هذا الشعار إلى “برنامج سياسي”؛ لحل مشاكل مصر المزمنة، وانتشالها من الحضيض الذي سقطت فيه بفعل فاعل منذ تموز/ يوليو 1952؟! وفي أي سياق سيتم إعلان وتنفيذ هذا البرنامج إذا لم يكن هناك من سبيل للوصول إلى السلطة بالانتخابات أو بغيرها.. “ثورة” مثلا؟!

ما مصير الشعار الانتخابي “الإسلام هو الحل”؟! من الذي سيحول هذا الشعار إلى “برنامج سياسي”؛ لحل مشاكل مصر المزمنة، وانتشالها من الحضيض الذي سقطت فيه بفعل فاعل منذ تموز/ يوليو 1952؟! وفي أي سياق سيتم إعلان وتنفيذ هذا البرنامج إذا لم يكن هناك من سبيل للوصول إلى السلطة بالانتخابات أو بغيرها

ألا تذكر (يا أستاذ) تلك الورقة التي سلمتُها لفضيلتك يدا بيد في مكتبك بلندن في شتاء عام 2006، وكانت بعنوان “قبل الاستحقاق أو ملء الفراغ”، وقد طرحت فيها سؤالا مفاده: ماذا عسى الإخوان فاعلون إذا تم استدراجهم إلى السلطة بإجراء انتخابات نزيهة، أو إذا سقط النظام لأي سبب من الأسباب؟ وقد ناقشت مع فضيلتك ما جاء في هذه الورقة، على مدى ساعة ونصف!

أذكر أني قلت في هذه الورقة: “الإجابة عن هذا السؤال تجدها عند فريق من نوابغ شباب الإخوان (وضعتُ شروطا قاسية لاختيار فريق مكوَّن من ثمانين شابا وفتاة) يتم ابتعاثهم إلى أرقى الجامعات حول العالم للدراسات العليا، على أن تتناول أبحاثهم ورسائلهم العلمية الإجابة عن هذا السؤال المركب، كل مجموعة في تخصصها، وبذلك يكون الإخوان على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي من السيناريوين (انتخابات نزيهة أو سقوط النظام).. ولعلك تذكر أني خاطبت فضيلتك ممازحا في نهاية اللقاء: “أود لفت عنايتك (يا أستاذ) إلى أن هؤلاء الشباب (بعد تأهيلهم) يجب أن يُناط بهم إصدار الأوامر (السياسية) لقيادة الجماعة وليس العكس”؛ لِما أعلمه عن القيادة (من قبل ذلك اللقاء وحتى اليوم) من فقر في الخيال، وعسر في قراءة الواقع، وعجز عن استشراف المستقبل.

تصريحات الأستاذ منير (أيا كان تفسيرها) وبغض النظر عن كونها “مبهمة” أو “تعمد الإبهام” فيها، فإنها تدخل في باب الاستراتيجيات، لا في باب التكتيكات؛ لأن حديثه كان بلغة “الجزم” و”القطع”، في أمور كانت من طبيعة الأشياء، ثم إذا هي (فجأة) في عِداد الممنوعات والمحظورات، ومن ثم لا يمكن اعتبارها “قرارا تكتيكيا” أو وجهة نظر.

الاستراتيجيات (يا سادة) لا تُعلن في حديث عابر لا تخضع ألفاظه للإحكام والضبط! وإنما تُصاغ بعد دراسات عميقة ومناقشات مستفيضة، ثم تُطرح في بيان رسمي، ثم تكون مناقشتها والتعليق عليها في القوالب الإعلامية المناسبة، وساعتها يمكن فهم حديث المتكلم في سياق البيان المنشور، حتى لو لم يحسن التعبير أثناء حديثه.. الحديث العابر يكون لجس النبض، بشأن “قرار تكتيكي”، وليس لإعلان “استراتيجيات”!

الاستراتيجيات (يا سادة) لا تُعلن في حديث عابر لا تخضع ألفاظه للإحكام والضبط! وإنما تُصاغ بعد دراسات عميقة ومناقشات مستفيضة، ثم تُطرح في بيان رسمي، ثم تكون مناقشتها والتعليق عليها في القوالب الإعلامية المناسبة

لقد تكلمت كثيرا، وكتبت كثيرا، في موضوع “اشتغال الإخوان بالسياسة”، ومن ذلك ما كتبته، منذ عام تقريبا، تحت عنوان “وقفة مع آخر مشاركة سياسية للإخوان المسلمين”، وأقتبس هنا بعضا منه بتصرف يسير:

“يجب أن تنأى الجماعة بنفسها (ككيان) عن “المنافسة السياسية”، وليس عن “الاشتغال بالسياسة” الذي يعني (بالضرورة) تبني موقف واضح تجاه كل القضايا التي تهم المواطن وتمس أمن الوطن ووجوده وأمنه، في ضوء تعاليم الإسلام، على أن تُترك مهمة تكوين الأحزاب والمنافسة السياسية لأفرادها الذين يرون في أنفسهم الأهلية للقيام بهذا الدور، باستقلالية تامة عن الجماعة التي يجب أن تتفرغ لنشر قيم الإسلام في المجتمع، وتربية أفرادها وتأهيلهم تأهيلا عاليا، يعينهم على الاشتباك مع معضلات الواقع على اختلافها، وتجعل من نفسها “جماعة ضغط” أو “لوبي”، تحقق من خلال “الدعم السياسي المشروط” لهذا الحزب أو ذاك، ما يخدم الدين والوطن والمواطن، دون أن تتلوث بأدران السياسة، قدر الإمكان.

هذا إذا كانت الأجواء تشبه أجواء حكم السادات ومبارك التي كان فيها شيء من الحرية، أما في حالة كتلك التي تعيشها مصر (اليوم) تحت سلطة انقلاب فاشي استئصالي، معادٍ للدين، ساعٍ (بكل السُّبل) لتشكيك المؤمنين في دينهم، فلا جدوى من هذا الطرح، ومن ثم، تبدو العودة إلى نهج “دار الأرقم” هي الحل المناسب، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا”.

وقلت في موضع آخر:

“لقد أثبتت التجربة (في مصر وفي غيرها) أن مشاركة جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الشقيقة لها، في الحكم، في ظل أنظمة شمولية استئصالية معادية للدين، تضطرها إلى التنازل عن بعض ثوابتها؛ لزوم المواءمة السياسية! ومن ثم تفقد مصداقيتها وتخصم من رصيدها لدى الجماهير! وقد بِت أعتقد بأن تسهيل وصول جماعة الإخوان وشقيقاتها إلى الحكم (بعدم تزوير نتائج الانتخابات) كان بهدف استغلالها، وحرقها، وإسقاط اعتبارها، بإظهارها بمظهر المتلاعب بالدين، أو المستغل له، أو المتاجر به والذي لا مانع لديه من التنازل عن بعض المبادئ وثوابت الدين لأجل مكسب سياسي آني.. (تمرير قانون الميراث التونسي الذي ساوى بين الجنسين في الأنصبة، تحت قبة برلمان يرأسه زعيم حركة النهضة، وتطبيع حكومة المغرب “الإسلامية” مع الكيان الصهيوني، نموذجان)!

وتابعت:

وبما أن النتيجة التي باتت مؤكدة تقول: إنه من غير الممكن تحقيق غايات الإسلام في ظل هكذا أنظمة، فمن الأفضل أن تتحول الجماعة والأحزاب التي تتبنى أفكار الإخوان، إلى منظمات “مجتمع مدني” أو “جماعات ضغط”، وقد أشرت إلى جدوى هذا الطرح في بداية المقال، “بشرط توفر قسط معقول من الحرية، وإلا فلا جدوى منه”.

ثم كانت خاتمة المقال:

إن هذا الطرح لا يعني فصل الدين عن السياسة، كما قد يتصور البعض، وإنما يعني ممارسة السياسة (من خلال الأفراد) بشروطها العبثية واللامنطقية في بلادنا المنكوبة بأنظمتها الشمولية المعادية للدين، فلا تجعل الجماعة من نفسها مطية لهذه الأنظمة، تصل بها إلى غاياتها الفاسدة.. أما إقامة “نظام إسلامي”، فهذا شأن آخر، لا يزال “الإسلاميون” في مرحلة “مناقشة” اسمه ووصفه! هل هو “شورِي” أم “ديمقراطي” أم “شوروقراطي” أم نظام جديد كليا؟! وهل سيكون ذلك ضمن حدود الدولة “الوطنية” وفق معاهدة “سايكس-بيكو” التي مزقت الأمة؟ أم ستكون خلافة؟ أم سيكون اتحاداً؟ وهل سيكون هذا الاتحاد فيدراليا أم كونفيدراليا؟! إلى غير ذلك من الأسئلة”.

على قيادة الجماعة ألا تظهر بمظهر المتسول الذي يرجو إشراكه في حوار يُسمى زورا “حوار وطني”، يعلم الداعون إليه (قبل غيرهم) عبثيته، وإخلاله بأبجديات الحوار، فضلا عن مخرجاته المُعدَّة سلفا التي لا تخدم إلا صاحب الدعوة إليه حصرا، ولا فائدة تُرجى منه للوطن

إن جماعة الإخوان المسلمين في أشد الحاجة (اليوم) إلى صياغة “رؤية جديدة” محكمة، يقوم عليها مختصون أكفاء، يستشف منها القارئ حسن تقييم الجماعة للمحنة التي تحيط بها منذ تسع سنين، ويلمس فيها قدرة القيادة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل..

وعلى قيادة الجماعة ألا تظهر بمظهر المتسول الذي يرجو إشراكه في حوار يُسمى زورا “حوارا وطنيا”، يعلم الداعون إليه (قبل غيرهم) عبثيته، وإخلاله بأبجديات الحوار، فضلا عن مخرجاته المُعدَّة سلفا التي لا تخدم إلا صاحب الدعوة إليه حصرا، ولا فائدة تُرجى منه للوطن الذي يعرضه الفرعون (صاحب الدعوة) للبيع بالقطعة، ولا فائدة منه للمواطنين الذين مزقهم صاحب الدعوة (ما غيره) فِرَقا وشِيَعا.

أما موقفي الشخصي، فلا اعتراف بنظام ياسر جلال، ولا حوار معه.. وممارسة العمل السياسي (بكل صوره وأشكاله) من شأن الأفراد، وليس من شأن الجماعة التي يجب أن تتفرغ للتربية والتأهيل، ومن حقها (بل من واجبها) أن تتخذ الموقف الذي تراه مناسبا (بعد الدراسة والتمحيص) تجاه كل ما يهم المواطن، أو يمس أمن الوطن ووجوده، وتعلن ذلك في بيان رسمي.

twitter.com/AAAzizMisr
aaaziz.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى