مقالات مختارة

محمد مرسي الذي ظلمه الجميع!

أحمد عبد العزيز - عربي21

“لا كرامة لنبي في قومه”!.. يُقال أن هذا تعبير “إنجيلي” يعني: أن الإنسان (عادة) لا يلقى التقدير الذي يستحقه من قومه، أو المحيطين به. وقد أكدت سِيَر الأنبياء جميعا (صلوات الله وسلامه عليهم) هذه المقولة، فما من نبي إلا وآذاه قومه، بل وقتلوه أحيانا، مثلما فعلت بنو إسرائيل في نبي الله “يحيى” عليه السلام، أو حاولوا قتله، كما فعل قوم أبي الأنبياء إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) عندما ألقوه في النار، بَيْد أن الله تعالى أوحى إلى النار: “كوني بردا وسلاما على إبراهيم” فكانت، ونجا إبراهيم من هلاك مُحقق.

والنبوة لها معنى لغوي، وآخر اصطلاحي.. فالنبي لغة: هو الشخص “البارز”، عالي المقام في قومه. وأصل الكلمة “نبا” أي عَلا، أو برز، أو ارتفع.. أما اصطلاحا، فهو الإنسان الذي يصطفيه الله من قومه؛ لينقل خبر أو “نبأ” السماء إليهم، وهو (دائما) شخص يتميز بين الناس بالحكمة، والقول الحسن والسلوك القويم، قبل تكليفه بالرسالة.

“مطرب الحي لا يُطرب”! مثل شعبي دارج يعني: أن المطرب الذي ألِفَ الناسُ صوتَه، وتعودوا عليه، بحكم وجوده بينهم، يَمَلّون سمَاعه، فلا ينصتون إليه إذا شدا.

وكلا المقولتين انطبقتا على الرئيس محمد مرسي (رحمه الله) انطباقا يكاد يكون تاما بالمعنى الهندسي للكلمة.. فلاقى من الظلم والغُبن الكثير، حتى لقي الله، وإلى يوم الناس هذا!

محمد مرسي تصرف كما يجب أن يتصرف الجندي في المعركة، لا كما يتصرف السياسي صاحب التطلعات!.. فيوم أن قررت جماعة الإخوان المسلمين خوض الانتخابات الرئاسية إبَّان انتفاضة 25 يناير 2011، اختار مجلس شوراها العام المهندس خيرت الشاطر، نائب المرشد العام، ليكون مرشح الإخوان المسلمين! رغم وجود محمد مرسي على رأس حزب “الحرية والعدالة” الذي أسسه الإخوان!!

وبعد أن لفت بعض القانونيين نظرَ قيادة الإخوان إلى أن المركز القانوني للمهندس الشاطر ليس قويا ولا مستقرا؛ لأنه كان مسجونا، وخرج من السجن بـ”عفو” من المجلس العسكري، إلا أن قيادة الإخوان أبقت على الشاطر مرشحا، وعندما تأكد لهم أن الشاطر سيتم استبعاده من قائمة المرشحين للرئاسة، اختارت قيادة الإخوان الدكتور مرسي مرشحا (احتياطيا)، الأمر الذي استغله خصوم الإخوان، فأطلقوا على مرسى وصف “الاستبن”، وهو لفظ مصري دارج، يعني “إطار السيارة الاحتياطي”! وظل هذا الوصف ملازما للرئيس، حتى بعد فوزه بالرئاسة، وكان هذا أول ظلم وقع على محمد مرسي!

فلستُ أفهم (بأي حال) كيف يختار مجلس شورى الإخوان المسلمين المهندس الشاطر مرشحا رئاسيا، وهو نائب المرشد العام، في وجود محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي للإخوان المسلمين؟! وما أنشئ هذا الحزب إلا لتمثيل الإخوان سياسيا، والمنافسة باسمهم في العملية السياسية، ومنها خوض الانتخابات، أي انتخابات!

نجح الدكتور محمد مرسي في السباق الرئاسي، فتقدم على اثني عشر مرشحا، وصار أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، منذ نشأتها قبل آلاف السنين! فهل رضي بهذه النتيجة منافسوه؟! كلا.. بل تنادوا، بعد إعلان مرسي رئيسا بفترة وجيزة؛ لتكوين ما سُمي بـ”جبهة الإنقاذ” لاستخلاص الحكم من مرسي!! وكانوا يرددون بلسان الحال: “أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَة مِّنَ الْمَالِ”؟! يا سادة.. كان فيه انتخابات.. والراجل دا فاز، وبقى رئيس!! ليكن.. م لناش دعوة.. لازم يعمل انتخابات رئاسية مبكرة!! ليه؟! لأنه فشل!! هو لِحق يقعد ع الكرسي عشان نقول فشل أو نجح؟! يقعد وللا يقف.. لازم يمشي!!

واستمرت المظاهرات التي رفعت شعارات مسيئة ومهينة، تحط من شأن أول منتخب في تاريخ مصر، ووصفته بأنه مندوب الإخوان في القصر الرئاسي، وأنه لا يمكنه إبرام أمر إلا بعد الرجوع للمرشد، أو لخيرت الشاطر! وهذا محض افتراء وكذب. وبرع اليساريون الديماغوجيون (كعادتهم) في تأليف الهتافات، التي لم يبرعوا في سواها خلال تاريخهم كله: “يا مرات مرسي بتطبخي إيه؟ كيلوا القوطة بسبعة جنيه!”.. فليخبرنا هؤلاء كم سعر كيلو الطماطم اليوم؟!

كانت إقالة النائب العام عبد المجيد محمود، مطلبا جماهيريا؛ بسبب سجله الأسود، ثم تحول إلى مطلب “ثوري” إبَّان انتفاضة يناير 2011، وعندما أقدم الرئيس مرسي على اتخاذ هذه الخطوة، بجرأة منقطعة النظير، وأقول جرأة لأنه في هذا المقام تصرف كـ”ثوري، وليس كـ”رئيس” يحكمه الدستور الذي يحظر إقالة النائب لعام!! فنعق الناعقون ممن كانوا يهتفون (حتى الأمس القريب) بإقالة النائب العام، ووصفوا مرسي بـ”الفرعون” الذي تخطى الدستور، وتجاوز صلاحيات الرئيس؛ ليجعل من نفسه إلها، أو يُنصِّب نفسه حاكما بأمره!!

ثم كانت حركة تمرد التي صنعتها أجهزة المخابرات المصرية، ومولها محمد بن زايد آل نهيان بسخاء؛ لتكون غطاء شعبيا للانقلاب المدبر إماراتيا سعوديا صهيونيا. وقد ثبت ذلك من خلال تسريب صوتي للواء عباس كامل مدير مكتب السيسي آنذاك، حين طلب من أحدهم صرف مبلغ كبير لحركة “تمرد” من حسابها لدى المخابرات! ثم توالت الاعترافات بذلك، بعد نجاح الانقلاب، بل والتباهي به باعتباره عملا ثوريا!

ثم كان الانقلاب العسكري على مرسي الرئيس الذي أقسم أمامه وزير دفاعه المنقلب عبد الفتاح السيسي: “أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على النظام الجمهوري، وأن احترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه”. فلم يحافظ على النظام الجمهوري الذي يعني “حكم الشعب”، وأعاد “حكم القبيلة” أو الطبقة (العسكر)! ولم يحترم الدستور والقانون اللذيْن يُجرمان تغيير النظام المنتخب بالقوة، ولم يحافظ على استقلال الوطن، فجعل من مصر إمارة ثامنة يتحكم فيها محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي! ولم يحافظ على سلامة أراضيه، فباع جزيرتين من أراضيه للسعودية (تيران وصنافير)، وفرَّط في مياه النيل، وتنازل للعدو الصهيوني عن حق مصر في غاز شرق المتوسط!

لم يكتف السيسي بالانقلاب على مرسي، بل نكَّل به تنكيلا!! فقد اختطفه وأخفاه قسريا في مكان غير معلوم، ثم أظهره، وكانت المحاكمة الهزلية للرئيس المنتخب؛ التي لم أشهد مثلها في حياتي!! قفص زجاجي عازل للصوت، لا يسمح بخروج صوت الرئيس إلا من خلال ميكروفون تتحكم فيه “هيئة المحكمة”.. واتهامات باطلة عارية من الصحة، لا يصدقها الصبيان! هروب من السجن أثناء انتفاضة يناير! تخابر مع حماس! تهريب وثائق لقطر! و… و… ثم حُكم بالإعدام في قضية “الهروب من السجن”! ولا أعرف في عمري كله أحدا حُكِمَ بالإعدام لأنه هرب من السجن! ثم نقض “الحكم”، ثم الحكم بالمؤبد! وقد استغرقت هذه المسرحية الهزلية الكئيبة ست سنوات كاملة، قضاها الرئيس مرسي في حبس انفرادي! لا رعاية طبية، لا أدوية، لا زيارات، لا صحف!

بعد هذه المعاناة الطويلة، كان القتل العمد في “المحكمة”!! ثم الدفن بلا جنازة، في مكان غير المكان الذي أوصى بدفن جثمانه فيه. فقد أوصى الرئيس بأن يُدفن في مسقط رأسه بقرية العُدوة في محافظة الشرقية، بَيْد أن سلطات الانقلاب أرادت أن تُضفي عليه صفة “تنظيمية إخوانية” بعد أن شيطن إعلامُها الإخوان، فدفنته مع مرشدي الإخوان المسلمين السابقين، رحمهم الله، وكأنها تريد أن تقول للمصريين والغرب: إن مرسي كان “إرهابيا” فوق العادة، لذا فإن مثواه الأخير، يجب أن يكون هو مثوى زعماء “الجماعة الإرهابية”!

فهل أفلح كل هذا الظلم والتنكيل في تغييب اسم مرسي من الوجود، أو محوه من التاريخ؟! كلا.. العكس هو الصحيح! فمرسي لم يعد مجرد رئيس سابق لمصر، بل أصبح رمزا أمميا، عابرا للحدود، ستظل سيرته المُشَرّفة مصدر إلهام (ما بقي الليل والنهار) لكل شخص توَّاقٍ للحرية، يبتغي العزة والكرامة لشعبه ووطنه..

رحم الله محمد مرسي، الرئيس المظلوم الذي سينصفه التاريخ يوما، ليضعه في المكان الذي يليق بثباته وصموده، بعد أن عز على معاصريه أن يتعاملوا معه بالصورة التي يستحق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى