مقالات مختارة

مستقبل أزمة سد النهضة

عبدالتواب بركات

كشف وزير الشؤون الخارجية الإثيوبي، رضوان حسين، غطاء الصمت الذي يلف أزمة سد النهضة، منذ توقفت المفاوضات في إبريل/نيسان من العام الماضي، بتحذير مصر والسودان من مغبة التمسك بموقفهما بشأن السد، وقال إنّ الإثيوبيين لا يستطيعون الانتظار إلى ما لا نهاية وإنّهم يتوقعون الضوء الأخضر لاستخدام مواردهم.

تحذير الوزير الإثيوبي من مغبة تمسك مصر والسودان بموقفهما، هو تأكيد لحقيقة تكشفت بوضوح على الأرض بعد عشر سنوات من الأزمة، وهي أن إثيوبيا فرضت الأمر الواقع، وقاربت على الانتهاء من بناء السد ونفذت الملء الأول والثاني منفردة ودون موافقة الدولتين، وبدأت في توليد الكهرباء من السد دون اتفاق أيضا.

موقف مصر والسودان المنحصر في المطالبة بتوقيع اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، تجاوزته إثيوبيا وفرغته من مضمونه عمليا بتنفيذها الملء الأول والثاني منفردة، وبالبدء في توليد الكهرباء دون اتفاق. والسؤال الذي يطرح نفسه هو، ما هي مآلات أزمة سد النهضة بعد أكثر من عشر سنوات من المفاوضات؟!

يمكن استشراف مستقبل أزمة سد النهضة برصد وتحليل مواقف القادة في مصر وإثيوبيا تجاه الأزمة، في ظل القيادات الحالية على الأقل، رغم الغموض والتعتيم الذي يحيط المفاوضات المغلقة. وقد استقر علم إدارة الأزمات على أنّ مآل أي أزمة يرتبط إلى حد كبير بإرادة أكثر القادة إيمانا بعدالة قضيته وإخلاصا لها واستعدادا للتضحية في سبيلها وترفعا عن المساومة عليها.

موقف آبي أحمد

أكثر مواقف القادة الإثيوبيين تشددا في الأزمة هو تهديد رئيس الوزراء، آبي أحمد، بشن الحرب على مصر في 22 أكتوبر سنة 2019 بقوله: “البعض يتحدث عن استخدام القوة من جانب مصر، يجب أن نؤكد أنه لا توجد قوة يمكنها منع إثيوبيا من بناء اليد، إذا كانت ثمة حاجة لخوض حرب فيمكننا حشد الملايين إذا تطلب الأمر من أجل إنجاز سد النهضة، وذلك في جلسة عامة أمام البرلمان الإثيوبي وأذاعها التلفزيون الرسمي على الهواء.

ومن المفارقات، أن الجنرال السيسي التقى أبي أحمد في قمة أفريقيا – روسيا المنعقدة في مدينة سوتشي الروسية في يوم 24 أكتوبر/ تشرين الأول سنة 2019، وبعد يومين فقط من تهديده بشن الحرب على مصر وهنأه بحصوله على جائزة نوبل للسلام ووصفه بأنه رجل سلام حقيقي!

لم يقف أبي أحمد عند التهديد بالحرب، وأعلن في مارس/آذار 2020 عن الملء الأول لسد النهضة دون اتفاق. ثم بعث وزير الخارجية الإثيوبي، غيدو أندارغاشيو، برسالة إلى مجلس الأمن في 18 مايو/أيار قال فيها إن بلاده ستنفذ الملء الأول للسد في يوليو. وكان رد الجنرال السيسي على هذه السابقة، أنه يشعر أيضا بالقلق وبالخوف الذي انتاب المصريين تجاه إعلان إثيوبيا البدء في ملء السد من دون التوصل لاتفاق حول قواعد منظمة لعملتي ملء وتشغيل سد النهضة.

ونفذت إثيوبيا الملء الأول في موعده، وقال وزير الخارجية، إن نهر النيل أصبح بحيرة إثيوبية محلية، وإنّ “النيل ملك لنا”، وإن “ما قمنا به من بناء سد النهضة هو بمثابة تغيير الرؤية والأهداف وأحدثنا تغييرا في التاريخ والجغرافية السياسية للمنطقة”. وكان رد الجنرال السيسي قوله إن مصر تتحرك في معركة تفاوض حول ملء سد النهضة وتشغيله، وإن التفاوض معركة ستطول، وإن المفاوضات سوف تنجح إن شاء الله!

وبعد عام، وفي مارس 2021، كرر أبي أحمد ما فعله قبل الملء الأول وأعلن عن الملء الثاني للسد دون اتفاق أيضا. وفي نفس التوقيت قال وزير الري الإثيوبي، سيليشي بيكيلي، إن التعبئة الثانية ستتم في شهر يوليو، وإنه لا توجد أي قوة تمنع بلاده من استكمال بناء السد. ونفذت إثيوبيا الملء الثاني في موعده، وكرر السيسي قلقه، وأكد تمسكه بالمفاوضات لإبرام اتفاق قانوني ينظم قواعد الملء والتشغيل.

وفي 31 مايو 2021، قال رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، إن بلاده ستبني أكثر من 100 سد. ولم يحدد أماكن بناء السدود على الأنهار التسعة التي تجري في إثيوبيا. ولكنه كشف عن الهدف من بناء السدود المائة، وهو استخدامها في قطع المياه عن دول بعينها بقوله، إن بناء السدود هو “السبيل الوحيد لمقاومة أي قوى معارضة لإثيوبيا” وذلك وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية.

سبعة أنهار من الأنهار التسعة التي تمتلكها إثيوبيا تصب بطريقة مباشرة وغير مباشرة في النيل الأزرق، ما يعني أنّ تهديد رئيس الوزراء الإثيوبي موجه للسودان ومصر، باعتبارهما دولتي المصب لنهر النيل. وإن شئت الدقة فقل باعتبارهما دولتي المصب للنيل الأزرق حيث يرفد الدولتين بـ 85 في المائة من حصتيهما المائية.

موقف السيسي

كشف الجنرال السيسي مبكراً عن تفهمه حق إثيوبيا في تحقيق التنمية من خلال بناء سد النهضة. وفي حواره مع قناة سكاي نيوز عربية، قال في مايو 2014 إنّ مشكلة مصر مع إثيوبيا ليست في بناء سد النهضة، لكنّ مشكلتها في حجم الخزان والزمن الذي سيتم خلاله ملء خزان السد لتوليد الطاقة، وكذلك ضمان وصول المياه لمصر بعد استخدامها في توليد الطاقة. وفي يونيو/حزيران 2014، وأثناء حفل تنصيبه رئيسًا للجمهورية، قال: “لن أسمح لموضوع سد النهضة بأن يكون سببًا لخلق أزمة أو مشكلة مع إثيوبيا الشقيقة”.

ثم فاجأ السيسي الجميع، بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ مع إثيوبيا والسودان في 23 مارس 2015. وهو الاتفاق الذي وصفه الخبير السوداني في القانون الدولي المتعلق بالمياه، أحمد المفتي، بأنه لا يضمن لمصر والسودان قطرة مياه واحدة من مياه النيل، وأنه يعد تنازلا عن حقوق مصر القانونية والتاريخية في مياه النيل، وأعطى شرعية قانونية للسد كان محرومًا منها، وفرغ قرار منع التمويل الدولي للسد من مضمونه.

وكانت مصر قد نجحت في 23 إبريل 2014 بعد معركة دبلوماسية استمرت ثلاث سنوات، في استصدار قرار يقضي بوقف التمويل الأجنبي لسد النهضة، وكذلك وقف القروض التي كانت ستحصل عليها إثيوبيا والمخصصة لإقامة سدود أخرى على النيل الأزرق من كل من الصين وإيطاليا وغيرها من الدول، بالاتفاق مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والبنك الدولي.

وانتقد وزير الري المصري الأسبق، محمد نصر الدين علام، الوثيقة لأنها أهملت تمامًا سعة السد واعتبره تنازل صريح عن حقوق مصر المائية. وقال إن الوثيقة لم تتطرق نهائيًا للاتفاقات التاريخية، وأنها نصت على الاستخدام العادل والمنصف للمياه دون النص علي اتفاقية 1902 ما يلغي الاتفاقية تماماً ويحرق إحدى الأوراق الرئيسية التي يمكن اللجوء إليها في حالة التحكيم.

وفي محاولة لتطمين قلق المصريين بشأن الأزمة قبل انتخاب السيسي للرئاسة للمرة الثانية، طلب السيسي من رئيس وزراء إثيوبيا، أبي أحمد، أن يقسم بالله ألّا يضر بحصة مصر من مياه النيل، وقال له: “قول وراي” وكرر أحمد وراءه بالعربية قائلاً: “والله والله لن نقوم بأيّ ضرر للمياه في مصر”. ورد السيسي بقسم آخر في مشهد كوميدي أسود قال فيه: “والله والله لن نضر بكم أبداً”. وعلق ناشطون على القسم بالمطالبة بتسريح الجيش المصري لأنّ السيسي حلّ الأزمة بأخذ القسم على أحمد!

موقف ترامب

في 23 أكتوبر/تشرين الأول سنة 2020، حذر الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، الإثيوبيين من تفجير مصر للسد، بعد أن ضاقت بها السبل لإيجاد حل سياسي للمشكلة. وقال خلال مكالمة هاتفية مذاعة مباشرة مع رئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك، إن “لا يمكنكم لوم مصر لشعورها بقليل من الانزعاج، الوضع خطير للغاية لأن مصر لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة، قلت ذلك سابقا، وأقولها الآن بصوت عال وواضح: سيفجرون هذا السد، وعليهم أن يفعلوا شيئا، كان ينبغي عليهم إيقافه قبل وقت طويل من بدايته”.

لا يمكن اعتبار تصريحات ترامب انحيازا لمصر على حساب إثيوبيا بقدر ما يعد توافقا مع المادة 51 من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة التي تعطي الدولة الحق في التدخل بكل السبل في شؤون دولة أخرى للدفاع عن أمنها القومي. اعتبرت شبكة “بي بي سي” البريطانية تصريحات ترامب ضوءا أخضر للجنرال سيسي لتفجير مصر السد.

ولكن بعد ثماني سنوات من إدارته الأزمة، لم يفعل السيسي أكثر من المناورات العسكرية الشكلية مع السودان، ومطالبة أبي أحمد أن يقسم بالله ألا يضر بحصة مصر من مياه النيل، وتوقيع اتفاق قانوني ينظم قواعد الملء والتشغيل.

الملاحظ في مواقف قادة الدول الثلاث، أن الموقف الإثيوبي ثابت منذ بداية الأزمة دون تراجع، ولم يتوقف البناء في السد يوما واحدا، رغم المشكلات الفنية في السد والأزمات الداخلية وتغير ثلاثة قادة على إدارة الأزمة.

أما الموقف السوداني فهو يتأرجح بين الطرف المصري حينا والإثيوبي أحيانا، وفي نهاية الأزمة لن يكون أكثر من داعم لموقف أحدهما في الأزمة وليس محددا لمسارها في المستقبل.

والمؤكد أن مستقبل سد النهضة سيظل مرهونا بموقف القيادة في مصر التي منحته الشرعية القانونية التي كان يفتقدها، لأن من يملك المنح يملك المنع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى