مقالات مختارة

مصر ما بعد 20 سبتمبر.. محمد أبو الغيط

كان ما حدث مساء الجمعة، 20 سبتمبر/ أيلول الحالي، خارجاً عن كل التوقعات، فبينما كانت دعوة المقاول المنشق، محمد علي، تقتصر على الاحتجاج بالوقوف ساعة واحدة أمام المنازل، خرج آلاف المصريين في خمس محافظات على الأقل في مظاهرات في الشوارع والميادين. وحسب حصر المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وصل عدد المقبوض عليهم إلى 2076 شخصاً، عُرض نحو نصفهم على النيابات، وصدر بحقهم أمر بالحبس الاحتياطي.. من أين أتى كل هؤلاء؟

من واقع قاعدة بيانات المركز المصري، يمكن التعرّف على شريحتين بارزتين: شريحة الأعمار الأصغر فئة 15 – 20 عاماً، وشريحة الفقراء المسحوقين، بعضهم عمال ينتمون إلى قرى ومناطق شعبية، وبعضهم من الأميين الذين تبلغ نسبتهم نحو 20% بين البالغين.

كلتا الشريحتين خارج أي تأثير من النخب السياسية، وكلتاهما لا يمكن توقع العوامل المؤثرة عليهما وكيفية استجابتهما، خصوصا مع حظر العمل البحثي واقعيا في مصر. وبالتالي، لا يمكن التنبؤ بما سيحدث بدعوات التظاهر، وفي المقابل، يمكن التأكد أن جذوة غضب أوسع وأشمل قد زُرعت تحت رماد مصر.
ومنذ اللحظة التي قال فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي إنه سيبني مزيدا من القصور، مردفا “إنتو هتخوفوني ولا إيه؟”، اتسع شق شعبي لن يلتئم، فقطاعاتٌ واسعةٌ من المصريين الذين أصبح نحو ثلثهم تحت خط الفقر يمكنها تفهم الصمت الرسمي على طريقة “دعني أخدعك .. دعني أخدعك”، لكن لا يمكنها تفهم هذا التحدّي الرسمي المباشر.

وفي الخلفية العامة، تدرك كل الأطراف محلياً ودولياً أننا نشهد تأسيسا جديدا للنظام الحالي بالعام الأخير الذي شهد مشهد إقالة رجال النظام الأقوياء، مثل رئيس الأركان السابق الفريق محمود حجازي والفريق أول وزير الدفاع السابق صدقي صبحي، وتمرير الانتخابات الرئاسية بهذه الخشونة، ثم تعديلات الدستور لتمديد فترات الرئاسة وجمع كل السلطات القضائية والرقابية بيد الرئيس. نظام أكثر مركزية وشخصنة، وأيضاً أكثر استخداماً للأدوات الأمنية المباشرة.

جانب آخر من الصورة، هو العصف الذي تم بما تبقى من القوى المدنية المصرية، واعتقال قيادات الأحزاب التي كان بعضها شريكاً في مشهد “30 يونيو”، صيف 2013، واعتقال أساتذة علوم سياسية مرموقين، يؤكد أن النظام قرّر قطع الشعرة السياسية الأخيرة، وكذلك اختار أن يكون الحراك منزوع السياسة والمطالب الإصلاحية، وهذا يرفع المخاطرة إلى ربح كل شيء أو خسارة كل شيء، لكنه في المقابل يمثل شهادة ميلاد جديدة لمصداقية قوى ونخب عديدة. في ما يخص صراع الأجهزة، لا يمكن التعويل عليه كثيرا، خصوصا أن أغلب المعلومات المرتبطة بذلك هي ذات مصادر مجهّلة وأقرب إلى الشائعات والنميمة. ولكن، في المقابل، لدينا حقيقة واقعية، هي أنه لن يكون أحد أكثر وفاءً للرئيس السيسي من وفاء المشير حسين طنطاوي للرئيس حسني مبارك، وبالتالي العامل الأكبر بهذه المسألة هو حركة الشارع التي أثبتت أنها قد تفاجئنا خارج السياق تماما.

لكن من المهم هنا الإشارة إلى أن من الواضح أن “الخيال السياسي” لكل من السلطة والمعارضة ما زال محتجزاً عند ثورة يناير 2011. تخشى السلطة يوم 25 يناير جديداً، بينما يتمناه ثوار. وعلى الرغم من أن التاريخ يعيد نفسه أحياناً، ولا احتمالات مستبعدة، إلا أنه في المقابل يجب التفكير في أن سيناريوهات مختلفة كلياً أو جزئياً قد تحدث. يحدّثنا مُنظّرو النظام من ذوي الصيغة الأخف عن مخاطر ثورة جديدة على الاقتصاد والاستقرار، وهذا حديث حق، ولكن يُفترض أن يوجه إلى الباطل، إلى من يغلق المجال السياسي بالكامل، ولا يترك للمصريين منفذاً غير الانفجارات غير محسوبة العواقب.

سواء اندلعت ثورة جديدة أو لم تندلع، وكلا الاحتمالين يمكن تقديم تنظير سياسي متماسك دعما لهما، المؤكد أن حاجزاً قد انكسر، وأن مستقبلاً أكثر انتفاحاً على احتمالاتٍ متعدّدة قد وُلد.

نقلا عن العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى