مقالات مختارة

معنى تطوير التعليم في مصر

سامح راشد

شهدت مصر سبع حالات انتحار بعد إعلان نتائج شهادة الثانوية العامة. وبذلك يصل عدد ضحايا “الثانوية” إلى عشر حالات وفاة، إحداها كانت لطالبة توفيت بأزمة قلبية وهي على باب لجنة الامتحان، وثاني الحالات بسبب صعوبة امتحان إحدى المواد، فيما الثالثة كانت صعقاً بالكهرباء قبل إعلان النتيجة بثلاث ساعات.

تعطي هذه الأخبار مؤشّراً بالغ الدلالة إلى مدى الصدمة التي أحدثتها نتائج شهادة “الثانوية العامة” بين المصريين بشكل عام، والطلبة بصفة خاصة. كما يمكن أيضاً بسهولة إدراك الارتباك الناجم عن تطبيق النظام الجديد لامتحانات الثانوية من كمّ التعديلات والتراجعات في قرارات وزارة التعليم المصرية، بشأن مضمون الامتحان وشكله، وإجراءاته وطريقة التصحيح وغيرها من جوانب تفصيلية متعدّدة.

الصدمة التي أصابت الطلاب وأهليهم متعددة المستويات. أولها تطبيق نظام جديد للامتحان شكلاً ومضموناً. ولم يكد الطلاب يستفيقون من صعوبة الامتحانات نفسها وغموضها، إلا وأصابتهم النتائج بصدمة أعنف. بعد الانخفاض الشديد في المجاميع إلى حدٍّ لم يحدث في مصر منذ أكثر من ثلاثة عقود. وعلى الرغم من أن ذلك الانخفاض جماعي وعام، أي سيستتبع بالضرورة انخفاضاً موازياً في الحدود الدنيا للقبول في كل الكليات والمعاهد العليا، إلا أن الأمر لم يقتصر على مفاجأة الانخفاض بحد ذاتها، حيث يعتبر طلابٌ كثيرون أن النتائج لا تعبر عن مستواهم الحقيقي، ولا حتى عن أدائهم الفعلي في الامتحانات.

يتضمّن هذا المشهد السينمائي خيوطاً وعقداً درامية متعدّدة ومتداخلة. يعود الخيط الأساس فيها إلى ما قبل عامين، عندما بدأ تطبيق نظام جديد للمرحلة الثانوية في مصر. يقوم على فكرة المناهج المرنة والمصادر المفتوحة واستخدام الوسائل التكنولوجية في تحصيل المعلومات. من دون تمهيدٍ له في مراحل التعليم الأولية، ولا تحضير أو تدريب كافٍ للمدرسين، ولا حتى توفير بنية تحتية تكنولوجية تضمن الحصول على المعلومة أو حتى التمكّن من أداء الامتحانات عن بعد إلكترونياً.

ومن مفارقات القدر أن تزامن تطبيق هذا النظام مع ظهور فيروس كوفيد 19. وهنا تطل العقدة الدرامية في قصة الثانوية العامة الجديدة، وهي التقابل بين استحداث آلية جديدة للتعليم مصحوبة بتغيير ضمني في طبيعة المناهج وحدودها، مع جمود وتكلس في بقية مكونات العملية التعليمية ككل. بدءاً من التكوين المعرفي والتربوي للمدرّس، مروراً بالبنية التحتية التعليمية، خصوصاً القدرة الاستيعابية للمدارس. ومن هذه العقدة، ينسلّ خيط آخر، يتعلق بإدراك المصريين لمفهوم “التعلم”، وهو الإدراك الذي تتوارثه أجيال متعاقبة، ويتشبع به تلاميذ المدارس في كل جيل. وهنا الصعوبة الأكبر في تمرير قرارات كثيرة لوزارة التعليم، بغض النظر عن جدوى التغييرات الجديدة أو عدم صلاحيتها.

ويزيد الأمر تعقيداً أن الوزير يصرّ على العمل بمنطق “الصدمة والترويع”، بدلاً من التعامل مع المواطنين بكياسة وذكاء، خصوصا أنهم يرون في أدائه انتقائية واجتزاء وتردّدا، بما ينزع من خطابه الصدقية ومن قراراته الفعالية، فالتطوير الذي يزعم وزير التعليم المصري شعاره لا يتناول سوى جوانب محددة من منظومة متكاملة، تضم المدرّس والطالب والمدرسة والمحتوى المعرفي والامتحانات. إضافة إلى عناصر أخرى لا تقلّ أهمية، مثل التعليم الفني وموقعه من التخصّصات المطلوبة لسوق العمل، والتغذية المرتدّة بين التعليم والسياسات الصحية والديمغرافية والثقافية.

المعضلة الكبرى التي تواجه التعليم المصري حالياً ليست في امتحانات الثانوية العامة ولا نتائجها الصادمة، وإنما في غياب رؤية شاملة بعيدة المدى لمنظومة التعليم بكل مكوناتها. وكيفية تطويرها بشكل متوازن وواقعي وفعال في آن، فالفعالية والقابلية للتطبيق شرطان ضروريان لا يمكن تجاهلهما في أي تطوير مهما بلغت صعوبته، شرط أن يكون تطويراً كاملاً ومتوازياً، وليس جزئياً أو مظهرياً فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى