ترجماتمصر

فرانس أنتر: من ميدان التحرير إلى السيسي… حكاية الربيع الضائع

ترجمة فريق نوافذ

بعد عشر سنوات من ثورة 25 يناير، التي اشتعلت في ميدان التحرير بالقاهرة، يتمتع الجنرال السابق، والرئيس الحالي “عبد الفتاح السيسي” بسلطة مطلقة راسخة فى مصر، لكنها تواجه تحديات اقتصادية وجيوسياسية كبيرة.

رابط التقرير

عن عمر يناهز 66 عامًا، يحكم الرجل الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا منذ ما يقرب من سبع سنوات، بعد أن نحى جانبًا آمال ثورة 25 يناير 2011 .

بالجيش ومن أجل الجيش

في شوارع القاهرة، ربما لا ترى صوره كثيراً، على عكس الرئيس الأسبق حسني مبارك، أو ملك الأردن المجاور، لا يظهر وجه عبد الفتاح السيسي في الشوارع والفنادق والمتاجر. أو بالأحرى، نراه بنسب متواضعة جدًا مقارنة بقوته المطلقة.

الشخص الذي يعتبره رفيقه فى الأكاديمية العسكرية : “مهذبًا ووديعًا ولكن بوجه بلا عاطفة” ..و يمتلك “فكراً مرتباً ورؤية قومية ووطنية محافظة”..رجلاً “ودودًا ومتديناً للغاية وأنانياً وغير قادر على تغيير رأيه بسهولة” بحسب رأيه.

كان السيسي مديراً للمخابرات العسكرية ثم أصبح وزير الدفاع فى عهد الرئيس الإسلامي الراحل محمد مرسي .

وقد قام بتنظيم انقلاب في 3 يوليو 2013 ضد مرسي بعد احتجاجات شعبية، وتم انتخابه لأول مرة رئيسًا في 28 مايو 2014 بنسبة تم الإعلان عنها تقدر بـ 96.1٪ من الأصوات، ثم أعيد انتخابه بعد أربع سنوات.

الجيش مسؤول عن كل شي

ويعتبر السيسي، الذي ينحدر من عائلة متواضعة في القاهرة مكونة من ثمانية أطفال، العسكري الذي أعاد السلطة إلى الجيش.
ويرى دبلوماسي أجنبي “إنه يمثل ويجسد النظام العسكري، إنه يفترض أن الجيش مسؤول عن كل شيء.”

إذ يتكون الفريق الرئاسي من 100٪ من العسكريين، فرئيس أركانه وأمينه العام ضباط، وقد وضع السيسي رجاله في المخابرات العسكرية وفي وزارة الدفاع، وعيّن رئيسًا للأركان يعتبر “ضعيفًا بعض الشيء” وفقًا لخبير في الشأن المصري، وذلك فقط ليظل مسيطراً على القوات.

الجيش موجود في كل مكان، في الشوارع وعلى الطرقات، وفي الاقتصاد، حيث يمتلك العديد من الشركات في السياحة والمواد الغذائية والنقل والبناء، كما يتضح من بناء العاصمة الجديدة على بعد 45 كم شرق القاهرة، وفى حفر تفريعة قناة السويس.

ممارسة السلطة الشخصية

مع كل النفوذ الذي يتمتع به، يمارس السيسي السلطة المطلقة والشخصية، كما يلاحظ أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة مصطفى كامل السيد :”مبارك والسادات وحتى ناصر، تركوا درجة معينة من الاستقلالية لوزرائهم، ومساحة لمستشاريهم، ولكن هذه ليست السمة الرئيسية للسيسي” فهو مهتم بكل شيء، على سبيل المثال، هو الذي ينظم اجتماعات لمناقشة قواعد بناء المباني بينما هذا الأمر هو من اختصاص مجلس الوزراء، ويمكن أن يكون هذا جيداً أو سيئا! حيث يجب أن نترك القليل من الاستقلالية، خاصة عندما يكون لدينا وزراء أكفاء “.

هذه المركزية لا تروق للنائب السابق أحمد طنطاوي، 42 عاماً، رئيس حزب الكرامة المعارض:

“ينتخب الناس ممثليهم لأنهم يؤمنون بأفكارهم وبصدقهم، لكن لا يمكن أن يكونوا خبراء في كل شيء. عندما كنت في البرلمان، كنا نتحدث عن الصحة والبنية التحتية والزراعة وأشياء أخرى كثيرة! هل أعرف كل شيء عن هذه المجالات؟ لا بالطبع!

يجب أن يعرف الوزير المسؤول عن ملف معين ما الذي يتحدث عنه بالضبط. لكن البرلمانيين أو الرئيس نفسه لا يستطيعون معرفة كل شيء عن كل شيء، يجب العمل كفريق واحد للقيام بالعمل بشكل جيد. ”

الاعتداء على منظمات حقوق الإنسان

تتميز حقبة السيسي بانتهاكات حقوق الإنسان، الموثقة بشكل جيد من قبل المنظمات غير الحكومية التي تجد صعوبة متزايدة في العمل في عين المكان، لا سيما بسبب قانون 15 يوليو 2019، حيث يراقب هذا النص المثير للجدل للغاية أنشطتها وتمويلها عن كثب باسم مفاهيم مثل “الأمن القومي” أو “النظام العام”.

ومن بين الشخصيات التي تراقبها الحكومة عن كثب المحامي نجاد البرعي، وهو عضو في نقابة المحامين منذ عام 1977، وقد شهد هذا المحامي المخضرم في مجال حقوق الإنسان بأن الأوضاع تتدهور:

“في عهد مبارك كانوا يخلقون مشاكل من حين لآخر، كانوا يعتقلون الأشخاص لمدة يومين وأربعة أيام ثم يطلقون سراحهم، لكن اليوم نشهد اعتداءات مباشرة على منظمات حقوق الإنسان، وقادتها في السجن، ويجمدون الحسابات المصرفية للمنظمات، وقد تعرضت بنفسي لتحقيقين جنائيين وعندما انتهى التحقيق منعوني من السفر إلى الخارج … “

وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في 25 يناير فإن 114 ألف شخص مسجونون في مصر، فى مكان يسع 50 ألف فقط، وتقدر عدة منظمات أن 60 ألفًا من هؤلاء المعتقلين “سجناء رأي”.

سعيد عبد الحافظ، وهو مدير ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية، تثير مهامه الأخرى الشكوك لأنه يترأس الوفد المصري لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف.

وعندما يتعلق الأمر باستحضار وضع حقوق الإنسان، فإنه يستخدم نفس الكلمات التي يستخدمها النظام، حيث يصرح أنه لا يثق بهذه المنظمات: “يمكن أن يكون العدد 100 أو 200 أو 500 أو نصف مليون شخص، لكنني أعتمد على ما تعلمته في الأمم المتحدة: ما هي عملية التحقق الخاصة بهم؟ هذه المنظمات ليس لديها واحدة.. بل لايستطعيون توثيق أسماء 5000 ممن يسمون بالسجناء السياسيين في البلاد! ..لذا أنا لا أثق بهم “.

أما عن رؤيته لثورة 25 يناير، وانقلاب يوليو 2013، وأخيراً وصول السيسي: “أطلقها الشباب، ثم استولت عليها الكيانات الإسلامية الأكثر تنظيماً، والتي كانت بعيدة كل البعد عن أهداف هؤلاء الشباب. وفي 25 يناير طالبت الشعارات بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، وجاء السيسي لإصلاح الأخطاء التي ارتكبتها الأنظمة السابقة، فمبارك مثلا لم تكن لديه الشجاعة ولا القوة لمواجهة الجماعات الإسلامية، بل على العكس تعامل معهم في الخفاء”.

رئيس تقي وعدالة متشددة

الإسلاميون هم هوس النظام الحالي وفي نفس الوقت أفضل حجة له، ففي الفترة من 14 إلى 16 أغسطس 2013، قُتل ما بين 638 و2600 شخص، وفقًا للمصادر، على أيدي قوات الأمن في ميدان رابعة في القاهرة، جميعهم كانوا متظاهرين يطالبون بعودة الرئيس محمد مرسي الذي عزله السيسي قبل شهر ونصف.

وفي 23 سبتمبر، تم إعلان هذا التنظيم إرهابياً وتم حظره، وسُجن آلاف “الإخوان”أو لجأوا إلى الخارج، لا سيما في قطر وتركيا.

لا تمنع هذه القسوة تجاه الإسلاميين السيسي من تقديم نفسه على أنه رجل تقي، يتباهى بالعلامة المطبوعة على جبينه، التي يتميز بها كل من يصلي بانتظام ويسجد على الأرض.

أما القضاء، فهو متشدد باسم القيم الإسلامية، حيث دائما ما يبعث النساء إلى السجن بتهمة ” الفحشاء” .

وشدد قانون الصحافة والإعلام لعام 2018 بشكل كبير على مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، وقد كان هذا فعالا بالنسبة للسلطة من أجل اعتقال آلاف المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع في سبتمبر 2019 للتنديد بـ “فساد وسوء إدارة النظام” بينما خضعت البلاد لإصلاحات اقتصادية جذرية مقابل قرض من صندوق النقد الدولي.

استقرار زائف

وبحسب خطاب “السيسيّ” فإن محاربة الإسلاميين تجعل من الممكن حماية البلاد من الإرهاب بعد الهجمات الدموية في الثمانينيات والتسعينيات والعقد الأول من القرن الماضي.

وهو ما يجعل سعيد عبد الحافظ ليؤكد أن : “الأولوية الأولى للمصريين هي الأمن، ثم الغذاء والحقوق الاقتصادية، وأخيراً الحقوق السياسية. لكن الأمن يأتي أولاً. أعاد السيسي بناء مؤسسات البلاد، مصر ليست ليبيا أو سوريا أو اليمن أو العراق. “

إن وضع دول الجوار التي انهارت لأسباب مختلفة للغاية – وليس بالضرورة بسبب الإسلاميين – يتكرر في مصر، حيث يرى ملايين المواطنين بصدق أن السيسي هو ضامن الاستقرار.

لكن يعتقد نجاد البرعي: أن ” هذا استقرار زائف، فالاستقرار يعني السماح للناس بالتحدث والمناقشة والنقد والاختيار بين الآراء المختلفة! الاستقرار يعني وقف انتهاكات حقوق الإنسان لأن الدولة هي شعب، والشعب هو أمننا القومي”.

ويذكر أحمد الطنطاوي أنه “في 25 يناير، نزل الناس ليطالبوا بالحرية والخبز، ولا ينبغي أبدًا مطالبتهم بالاختيار بين الاثنين، لأنهم يستحقون الاثنين معا”.

أما وزارة الخارجية الفرنسية فترى أنه “عندما نتأمل الصورة بشكل موضوعي، نقول لأنفسنا أنه من الأفضل أن تكون مصر مستقرة، حيث أن هناك ما يكفي من المتاعب في المنطقة من هذا القبيل، ولدينا مصلحة استراتيجية كبرى في ضمان بقاء مصر منطقة استقرار”.

وتتساءل: من له مصلحة في إضعافها؟ مصلحتنا أن يبقى هذا البلد صامداً ولكن بأي ثمن؟ يجب أن نقنع السيسي أن القليل من الثقة والانفتاح السياسي من شأنهما ترسيخ هذا الاستقرار.

وهو يستمع إلينا ولكن هل يسمعنا؟

مصر أولا

صحيح أن البيئة الجيوسياسية قابلة للانفجار: النزاع مع إثيوبيا على النيل ومع تركيا على الغاز في البحر المتوسط، ووجود حرب أهلية في ليبيا، وهشاشة السودان، وحركة حماس في السلطة في غزة، دون نسيان شمال سيناء حيث يقاتل الجيش المصري – بدعم من إسرائيل – تنظيم الدولة الإسلامية.

يرى البروفيسور مصطفى كامل السيد أن السيسي طور “دبلوماسية ” “مصر أولاً”، على غرار “أمريكا أولاً” لدونالد ترامب.

ويلعب السيسي دورًا مهمًا للغاية في القضايا المتعلقة بالتهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي، لكن المصالح القومية محددة بشكل ضيق للغاية، بينما كانت هناك ثلاث دوائر للسياسة الخارجية بالنسبة لناصر: الدائرة الإسلامية، الدائرة العربية والدائرة الأفريقية. بينما يرى السيسي مصر في إطار جغرافي ضيق.

ويسمح الاستفتاء الدستوري فى 23 أبريل 2019، والذي تمت الموافقة عليه بنسبة 88.8٪ من الناخبين (ولكن بمشاركة 44.33٪ فقط) للسيسي بالترشح لفترتين جديدتين وربما قيادة مصر حتى عام 2034.

ولكن ومع هوسه بثورة 25 يناير 2011 التي يقسم أنها لن تتكرر مرة أخرى، هل سيتمكن من قيادة المصريين لفترة طويلة بهذه القوة؟ فقد كانوا 85 مليون قبل عشر سنوات، وهم الآن أكثر من 100 مليون، وأكثر من 35٪ منهم يعيشون تحت خط الفقر حسب الإحصاءات الرسمية.

حتى الآن، لم يتمكن رئيس عسكري من تغيير أي من هذين المنحنيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى