مدونات

“موت الأخلاق”..وليد ظاهري

أشهر الفلاسفة على الإطلاق، ربما لأنه كان يكتب بقلم أدبي، أو ربما لأنه كان جريئا حتى على الله فأعلن موته.. فيلسوف ألماني عاش نهاية القرن التاسع عشر المليئ بالفلاسفة وعاش أيضا عصر تشارلز دارون صاحب التطور في كتابه أصل الأنواع وجعل أو أثبت أن الإنسان ما هو إلا حيوان تطور من أجل البقاء حتى وجد نفسه واعيا عاقلا فظن أنه متمير عن القطيع الحيواني ومن طينة أخرى إذا به شبيها للكلاب والأرانب والقرود، فألف جينها نيتشه كتابه أصل أو جينولوجيا الأخلاق ليثبت أو ليظن أنه أثبت أن الأخلاق أسطورة من الأساطير أو هي حيل نفسية لدى البشر للتأقلم مع الوضع التاريخي الذي تعيشه فالعبيد صنعوا لهم أخلاقا يحفظون بها بقاءهم والسادة كذلك.

لكن المتأمل في تحليل نيتشه لأصل الأخلاق يجده ركز على الجانب العملي منها أي التحليل النفسي والاجتماعي لأخلاق الجماعات ولو سكت ولم يعطها إطلاقا فلسفيا لكان صادقا أو صحيحا.. ستقولون كيف..؟! خلق العطف مثلا أو الرحمة لو حللته تحليلا نفسيا اجتماعيا لوجدت أن الفقير أو المسكين يركز عليه وعلى خيريته أمام الغني ليأخذ منه ما يبقيه على قيد الحياة فيستجيب الغني ليتقي ثورة الفقير عليه فينشأ خلق الرحمة أو العطف، لكن المشكل هنا لماذا يوقن الغني والفقير شعوريا ودون إثبات أن الرحمة أو العطف صحيحة وذلك لوجود نزعة داخلية لدى الإنسان تحكم على التصرفات خيرها من شرها.

وقد يتجلى هذا في خُلق آخر لا يمكن أن تكون فيه حيلة وهو خلق العدل والعدالة لك عاملين مثلا في شركة يعملان نفس العمل فلا تستطيع مثلا أن تعطي واحد ألفا والأخر ألفان تجد نفسك مجبر أن تعطيهما راتبا متساويا كما أن العاملين سيشعران بالعدالة هنا.. والسؤال لماذا..؟! لأن العدالة حق والعقل يقبلها هكذا والحق هو أن الشيء يجب أن يكون هكذا بدون حجة بل أن حجته فيه فالواحد أصغر من إثنان والكل أقل من الجزء هكذا ونشعر بالرضى كونه كذلك ولذلك نجد القرأن الكريم يحتج دائما بكونه تعالى خلق السموات والأرض بالحق وتأمل أنت الوجود والكون وستدرك أنه لا يجب إلا أن يكون هكذا وإلا زال واندثر، كما أن نيتشه خلط بين المفهوم الكلي للأخلاق وبين مصاديقها وتطبيقاتها على الواقع، وهنا قد يرد شخص مادي النزعة فينكر المفاهيم الكلية العقلية كما فعل ديفيد هيوم ولكنه لن يفلح وهذا بكث آخر.

أعلن نيتشه موت الله أي موت المعنى والغاية ومنها موت الحداثة نفسها التي بشرت بكونها ستجيب على كل الأسئلة ولكن علمها ينقظها كما فعل دارون الذي كسر مركزية الإنسان في الوجود وعاد الإنسان حيوان متطور. ربما الفكرة الثاقبة التي أتى بها نيتشة هي فطرة القوة وأنها معيار لتفسير أمور اجتماعية وتارخية وفلسفية كثيرة، فلكي تتطور البشرية وتحقق مجدها حسب نيتشة لا يجب أن تتقيد بالأخلاق مثلا لأنها نسبية ومتغيرة ولا أساس مطلق لها، كما لا يجب أن تدعي أنها تسعى للوصول إلى غاية أو إلى معنى لتفسير الوجود لأنه لا معنى ولا غاية منه، وإنما يجب أن تسعى للقوة وستحصل على كل شيء ستفرض أخلاقها على العالم وستصبح هي الغاية والمثل الأعلى..

وربما نيتشه هنا كان صحيحا خاصة في الجانب الجتماعي وليس الفلسفي المطلق ولو أخذنا مثالا على ذلك: شخص غني قوي يتخاصم مع شخص فقير ضعيف سنجد أن الناس تسعى لتبرير فعلة القوي ولو كانت شنيعة وشيطنة الفقير ولو كانت ردة فعله بسيطة، إن كنت موظفا مثلا في ادارة فتخاصم مع مديرك وسترى أن تفسير نيتشه صحيح.. أما على المستوى الفلسفي فالقوة معمدة على حبنا لها كحبنا للمعرفة والمعرفة قوة وحبنا للمال والمال قوة وجبنا للجاه والجاه قوة ولولا حبنا لهم لما أصبحوا قوة ولو كانت القوة تستمد قوتها من نفسها ما طردت الشعوب الاستعمار مع أنه قوي. كما أننا نجد أن نيتشه تحول فجأة إلى نبي ويدعو الناس للعود الأبدى وإلى فكرة السوبر مان، والعود الأبد والإنسان الكامل هي أفكار دينية بالأساس فالأديان تبشر بيوم القيامة أي العود كما تبشر بإنسان الآخرة الكامل.

نقلا عن مدونات الجزيرة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات