مقالات مختارة

نضال أوقات الفراغ

د. ممدوح المنير

حديثي هذا خاص لشريحة بعينها من رافضي الانقلاب، فأنا هنا لا أتحدث عن الذين انشغلوا بحياتهم ونسوا قضيتهم، وأصبح جلّ حياتهم نفسي نفسي، وليس حديثي كذلك موجهًا لمن يملؤون الفيسبوك بلطم الخدود وشق الجيوب، وإذا ما ألمحت لهم بعمل حقيقي يخدموا به الثورة وأهلنا في مصر اختفوا وتبخروا في الهواء.

أذكر أنني عرضت على أحدهم لقاءً ينبني عليه عمل مهم لصالح الثورة، وهو مناضل فيسبوكي رائع، يحصد مئات اللايكات يوميًّا، لكنه اعتذر متعللاً بأنه يستيقظ متأخرًا من النوم (بلا عذر)!!

حديثي فقط موجه للمخلصين، الذين تحترق قلوبهم على ما يحدث في وطننا وأمتنا، ويبحثون بصدق عن طريق للعمل لتغيير الأوضاع.

جمعني بهؤلاء لقاءات كثيرة، والسمة الغالبة لدى هؤلاء – إلا قليلاً- أن لديه استعدادًا للعمل، لكن في أوقات الفراغ، فيعطيك فضول وقته وجهده.

وعليه.. فما يمكن إنجازه في يوم ينجز في شهر، وما ينجز في شهر ينجز في ٦ أشهر بلا مبالغة، وما ينجز في ٦ أشهر ربما لا ينجز إطلاقًا!!

وهنا أذكر نفسي أولاً وأحبتي هؤلاء ثانيًا أن الأمة كلها، وليست مصر فحسب، في حالة (جهاد دفع) كما يصفها علماء الإسلام، وكما هو عليه إجماع الأمة بلا اختلاف قديمًا أو حديثًا، أن حالة (جهاد الدفع) تصبح الأولوية القصوى للأمة جمعاء بكل أفرادها – في حالة العجز عن دفع الظلم – وفي قمة سلم أولوياتهم هو العمل على خلاص الأمة مما هي فيه، وبذل الغالي والنفيس من أجل استنقاذها، وتقدم الأرواح والأموال والأولاد والدور والحياة كلها في سبيل إنقاذ الأمة.

والجهاد هنا ليس مقصورًا على شكله المعهود فحسب، ولكن الجهاد المدني كذلك، من جهاد بالكلمة والعلم والمال وكل ما تؤتى الأمة من قبله.

إن مفهوم الرباط في الإسلام هو وقف النفس لنصرة الأمة، وشبهه الرسول بالآخذ بعنان فرسه ينتظر النفير لينطلق في التوِّ واللحظة.

“طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة” [رواه البخاري].

لا وقت لديه ليهذّب شعره، ولا لينظف نعله، إنه وقف لله تعالى، حياته كلها لله، وقته كله لله، سعادته وشقاؤه مرتبط بنصرة الأمة.

أما نضال أوقات الفراغ فربما يريح الضمير لدى بعض المخلصين، لكنه لن يثمر عملاً، وإذا أثمر فهو سريع التهاوي والانقطاع، وينتهي بحالة من اليأس من الفاعلية!!

كيف ستنتصر الأمة بنضال أوقات الفراغ وأهل الباطل يقيمون ليلهم ونهارهم في حربنا، ويوظفون العقول والعلوم لإبادتنا، ويدفعون مئات المليارات لدحرنا؟!

كيف ستنتصر أمة تحولت بوصلة بعض مخلصيها إلى موضوعات (سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام) إيثارًا للسلامة وبحثا عن النضال الآمن الجميل، متهربين من استحقاقات اللحظة، وفرضية المشاركة بالغالي والنفيس لنجدة أهلنا ووطننا وأمتنا.

والتعلل بالانشغال بلقمة العيش ليس عذرًا، وإلا فما معنى التضحية والبذل إذا كان الإنسان لن يخدم دينه إلا وأحواله مستقرة، وجيوبه ملأى بالمال؟!

إن الآية الرابعة والعشرين من سورة التوبة يجب أن تطبع وتعلق في البيوت؛ لتظل دستورًا ونبراسًا ومعلمًا لكل مسلم ومخلص لدينه وأمته.

حين تنتهي القصة وتكتب النهاية وينزل الستار عن مسرح الحياة الدنيا ونقف بين يدي الله سنفاجأ بهذه المفاجأة (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) هذا حال الصادقين سيُسألون ويُحاسبون عن مدى صدقهم، فما حالنا نحن؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى