مدونات

هكذا قتلها السرطان.. قصة امرأة جميلة..عمر عاطف نوفل

لم يكن الحب يوما أسطورة، بل حقيقة مشاهدة وملموسة، أليس هناك من أحب بصدق؟ وظل وفيا إلى قرّة عينه، وفؤاد قلبه، حتّى تلاقت الأرواح بعيدا عن جاذبية الأرض. الحب بين الأزواج، أنشودة المطر، وفرح الروح، وامتزاج الأفراح مع الأحزان، بما تحمله هذه الكلمة من معنى، مودة ورحمة، تفاهم وانسجام، احترام ومراعاة المشاعر.

الحياة الزوجية تعني وجود زوج وزوجة اختارا القرب، ولكل واحد منهما على الآخر حقوق وواجبات يجب أن تؤدّى، وإلّا اختل النظام القائم بينهما. الحب الحقيقي الممسوس برضا الرحمن لا يموت أبدا بل يزهر مع تقادم الأيّام، وجري السنين، هُناك الكثير ممن يُضرب بهم المثل في الوفاء وحسن العشرة، وليس من طبعهم التخلي عن القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة النبيلة في نفوسهم، ولتعلم – أخي القارئ- أنّهم عندما يحبون، يحبون بإخلاص، والمرأة في نظرهم نور من نور الله.

قصتي طويلة جدا، فهي تتخطى سنوات، وأيّام، وساعات، ودقائق، وثوانٍ، فقبل سنوات عشرة أصيبت امرأة بمرض “السرطان” كانت امرأة رائعة وجميلة، تنثر الورد، وتزرع الأمل، وتداوي الجراح، إنّها امرأة لا كبقيّة النّساء، كل همّها في الحياة كان منصبا على طاعة الله، وخدمة زوجها، وخمسة أولاد فرطتهم من أحشاء بطِنها، ويشاء الله تعالى أن تمرض، ويستمر المرض سنوات، عانت ما عانت من الذهاب للمستشفيات، وتناول “الجرعات الكيماوية” فنحل شعرها، وسقط حاجباها العاليان المقوّسان، وبهت جمال عينيها بنظراتهما الذابلة الهادئة، وضمر جسدها، وتجعد جلدها، وبدت امرأة كأنها بلغت من الكبر عتيّا! رغم ذلك صبر الزوج، وتحمّل سنوات عشر، عانى فيها ما عانى، ولكن ومن بين هذا الابتلاء تجلّت بوضوح صفات ذلك الزوج الذي لا يعتبر المرأة نزوة عارضة، أو متعة ذاهبة، إذا ما ذبلت وأفل سطوعها، وخفت بريق جمالها، أشاح بوجهه عنها ليضرب تلك السنوات عرض الحائط غير مبالٍ بتضحيات هذه المرأة، بل ضرب أروع المعاني في النبل والوفاء، وأثبت أن الرجل الأصيل، هو الذى يقدّر أنه في يوم من الأيام كانت ثمّة امرأة حفظته في ماله ونفسه، وصبرت معه على نوائب الدهر بحلوها ومرها.

وقبل سنة ونصف السنة من الآن، سكنت الروح، وارتخى هذا الجسد، وأفلت تلك الزهرة، وتوقف قلبها توقفًا أبديا، وبرحيلها فقد الزوج الصابر تلك الروح الحنونة، والوجه الباسم، وشقيقة الروح، ورفيقة العمر، وها هو الآن يبكيها كلما تذكرها كطفلٍ فقد حنان أمه، إنّها ليست قصة خياليّة من نسج الخيال، أو حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة، هذه القصة كنتُ شاهدا عليها، وعانيت أدق تفاصيلها مرارة، وأشد أيامها حُلكة، هذه المرأة الجميلة كانت تضع يدها على لحيتي وتقول لي: “كبرت سريعا غير أنك ستبقى في نظري ذاك الطفل الصغير”نعم يا أمي كنتُ أمامكِ طفلا صغيرا رغم أنّي تجاوزت عقدي الثاني بقليل ولكن يمكنني أن أخبركِ إن كنتِ تسمعينني الآن أنّي كبرت كثيرا وغزا الشيبُ شعري، وما عدتُ ذلك الطفل الصغير.

يا الله كم كنت قاسيا وأنا أضعها بكلتا يديّ في قبرها، وأشيح عن وجهها الكفن، وأهيل عليها التراب بنفسي، وأنا الذي كنت قبيل ساعة من موتها أُلامِسُ أنفاسها، وأتأمل قسمات وجهها. شعرت أنها غابت فعلاً عن روحي وأنفاسي وعيني. ما عدت بعدها أشعرُ بمتعة الأشياء من حولي، كل شيءٍ خفت بريقه، وذهب رونقه، وأفل سطوعه. ما زلتُ يا ﺃﻣّﻲ أحنّو إلى مذاق قهوتك، ورائحةُ طعامك، وعجينُ يديك،ِ كم كنتُ أشعر بالسعادة والمتعة وأنا الْتهَم كل شيء من تحت يديكِ. فما قيمة كل الأشياء الجميلة إن حرمتُ من تقبيل يديكِ وأن تُسمعيني رضاكِ عني.

حزينٌ يا أمّي، مكسورٌ مثل قِطعةِ خبزٍ يابسةٍ وضعَها رجل عجوز على زاويةِ الرصيف لِتأكلَ منها الطير، وحيدٌ، مخذولٌ، هزيلٌ، أنتِ الوحيدةُ التي تستطيعُ أنْ تفهمَ كيف لإنسانٍ كبُرَ بين يديها أنْ يموتَ شيئًا فشيئًا، لكنّ الرجُل الذي تعرفين قوّته لم يعُد كذلك، جئتُ و لِأولِ مرّةٍ أرجو حضنَكِ لأبكي فيه كطفلٍ خائفٍ، فقَدَ أثمنَ ما يملِكُ في حياتِه، فقَدَ صوتَها وضاعَ معه ُكلُّ شيءٍ، كلُّ شيءٍ يا أمّي”
معجب الشمري.

نقلا عن مدونة الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى