تقاريرمصر

هل تلجأ القاهرة لصندوق النقد وتكرر سيناريو عام 2016 ؟

بحسب تقرير لـ بي بي سي، لم تكد ثمان وأربعون ساعة تمضي على إعلان السلطات المصرية عن “إجراءات تصحيحية” في سياستها النقدية، حتى أعلن صندوق النقد الدولي في بيان أن مصر طلبت دعمه لتنفيذ “برنامجها الاقتصادي الشامل”.

اللجوء لصندوق النقد الدولي

ورغم أن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ادعى أنه سيقتصر في المرحلة الحالية على “الدعم الفني”، وقد يتطور لطلب قرض جديد إذا دعت الحاجة إلى ذلك، سارعت مصر لطلب قرض جديد.

بيان صندوق النقد عزا “التحديات” التي يواجهها الاقتصاد المصري إلى “البيئة العالمية سريعة التغير، والتداعيات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا”. وأشاد بتحرير الجنيه الجديد.

إذ استيقظ المصريون صباح الاثنين 21 مارس/ على تراجع في قيمة عملتهم بلغ نحو 15 في المئة في يوم واحد.

 زاد هذا التراجع من وطأة أسعار كثير من السلع التي شهدت ارتفاعات تراوحت بين 20 – 50 في المئة.

لم يكن الانخفاض الكبير و”المفاجئ” في قيمة العملة المصرية يومها نتيجة لقرار صريح ومباشر من البنك المركزي، لكنه جاء بعد بيان للبنك تحدث عن “أهمية مرونة سعر الصرف” في امتصاص الأزمات، وهو ما شكل إشارة ضمنية إلى سماح البنك بتحريك قيمة الجنيه مقابل الدولار، بعد سنوات من الحفاظ عليها.

تعويم الجنيه فى 2016

وأعلن البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه نهاية عام 2016

عند الحديث عن تخفيض قيمة العملة المحلية، كثيرا ما تتم الإشارة إلى الأثر الإيجابي الذي يتركه هذا الأمر على “تنافسية الصادرات”. ويشير هذا المبدأ إلى أن انخفاض قيمة عملة بلد ما، يخفض من قيمة بضائعها المصدرة بالعملات الأجنبية، ما يجعلها أكثر جاذبية للمستهلكين لأنها أرخص ثمنا.

وبالفعل أشار محافظ البنك المركزي المصري في حديثه لوسائل الإعلام إلى أن “تصحيح أسعار صرف الجنيه”، سيسهم في زيادة “تنافسية المنتجات المصرية” ما قد ينعكس زيادة في حجم صادرات البلاد.

الدكتور زياد داود يقول إن تحرير العملة في مصر تم “بشكل نظري وليس عملي”. وهو يعني بهذا أن البنك المركزي المصري وبينما كان يتبنى علنا سياسة تحرير (تعويم) الجنيه المصري بشكل كامل لسنوات، كان يتدخل بشكل أو بآخر للحفاظ على قيمة العملة المصرية مقابل الدولار في حدود 15 جنيها للدولار الواحد.

يدلل الدكتور داود على رأيه هذا بالإشارة إلى أن العالم، ومنذ الإعلان عن تحرير الجنيه المصري نهاية 2016، “شهد أحداثا كبرى، أثرت في قيمة العملات المحلية لكثير من دول العالم ذات الاقتصادات الناشئة، إلا أنها لم تنعكس على قيمة الجنيه المصري، وهو ما يؤشر إلى وجود إدارة للعملة في مصر، وأنها لم تكن محررة بشكل كامل”.

ويضرب الخبير الاقتصادي في بلومبرغ مثالا على تلك الأحداث، بالأزمة التي عصفت بالأسواق الناشئة عام 2018 ولكنها لم تؤثر بشكل كبير على قيمة الجنيه المصري، وكذلك بجائحة كورونا عام 2020، ضمن أحداث أخرى.

يؤيد ثيموثي قلدس هذا الرأي، ويقول إن إدارة العملة المصرية بشكل غير مباشر من قبل البنك المركزي المصري، كانت تحدث منذ عام 2018 على أقل تقدير. إذ يشير مثلا إلى تحقيق أجرته وكالة رويترز للأنباء ذلك العام بيّن “أن البنك المركزي المصري كان يدافع خلسة عن الجنيه المصري من خلال البنوك المملوكة للدولة، والتي كانت تشتري الدولارات وتبيعها ضمن نطاق معين للسيطرة على السعر، نظرا لأن هذه البنوك تمثل جزءا كبيرا من القطاع المصرفي ما يمنحها القدرة على التأثير على أسعار الصرف بشكل كبير.”

حافظ هذا الأمر بالفعل على استقرار سعر صرف الجنيه وبالتالي تفادي حدوث موجات كبيرة من التضخم وارتفاع الأسعار في الشارع المصري بالفعل، لكنه انعكس بشكل سلبي على الاقتصاد المصري في ناحيتين.

تتمثل الناحية الأولى في أن الحفاظ على سعر صرف العملة من خلال التدخل في آليات السوق عبر ضخ نقد أجنبي، هو “أمر مكلف”، وغير مستدام، إذ أنه ينعكس تآكلا في احتياطات النقد الأجنبي التي يتم استهلاكها للتحكم في سعر الصرف في السوق، كما يقول تيموثي قلدس.

ويؤكد الدكتور زياد داود أنه بالنظر إلى البيانات المالية المصرية، “نجد أن حجم احتياطي النقد الأجنبي في البنك المركزي المصري لم يتغير بشكل كبير، بالمقارنة تظهر البيانات التي يصدرها البنك المركزي بشكل شهري أن صافي الأصول الأجنبية (النقد الأجنبي) في البنوك المصرية (حجم الأصول الأجنبية في هذه البنوك مطروحا منه التزامات هذه البنوك من النقد الأجنبي)، تراجع بحيث أصبح الفارق كبيرا بين ما تملكه البنوك من أصول وما عليها من التزامات”. وهذا يؤشر، بحسب داود، إلى أن البنوك المصرية كانت تضخ عملة أجنبية في السوق المصري.

بالفعل قال تقرير أصدرته وكالة فيتش للتصنيف الائتماني مطلع العام الجاري إنّ تصنيفاتها للبنوك المصرية، خصوصا المتعلقة بالتمويل والسيولة، قد تواجه ضغوطا إذا استمرت الأصول الأجنبية في التراجع.

وحسب تقرير الوكالة فإن الأصول بالعملات الأجنبية التي يمتلكها القطاع المصرفي المصرفي أصبحت أقل من التزاماته بهذه العملات، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن قدرة هذه البنوك على الوفاء بخدمة ديونها.

أما الناحية الثانية، فيشير إليها تيموثي قلدس، الذي يؤكد أنه بينما شكل استقرار سعر صرف الجنيه المصري في السنوات القليلة الماضية عامل جذب للمستثمرين، لكنه في الوقت ذاته خلق لديهم شعورا بالخطر دفعهم إلى وضع أموالهم في استثمارات قصيرة الأمد. يتعلق الأمر بفقدان الثقة.

المخاطر التي تحملها الأزمة الروسية الأوكرانية :

يضيف قلدس: “إذا كنت أشتري ديونا مصرية بالجنيه المصري وهناك احتمال أن يفقد الجنيه جزءا كبيرا من القيمة، فقد يؤدي ذلك إلى محو الفائدة التي سأجنيها على استثماري. على سبيل المثال، إذا استثمرت أموالي في سوق الدين المصري بفائدة 15 في المئة، لكن قيمة الجنيه انخفضت بنسبة 16 في المئة. إذن فأنا في الواقع أخسر المال من خلال الاستثمار في الدين المصري”.

قبل نحو أسبوعين من إعلان السلطات المصرية “إجراءات تصحيحية” في سياستها النقدية، أصدر بنك الاستثمار الأمريكي “بي. جي. مورغان” تقريرا، توقع فيه أن تكون هناك حاجة لتخفيض “حاد” في قيمة الجنيه المصري، وأن مصر قد تحتاج إلى مزيد من المساعدة من صندوق النقد الدولي، إذا استمرت ضغوط السوق المالية في التصاعد.

طلب قرض على غرار 2016

حصل تخفيض قيمة الجنيه بالفعل، بينما يدور الآن حديث عن احتمالية طلب مصر لقرض من صندوق النقد الدولي.

يصف كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في بلومبرغ، الدكتور زياد داود الإجراءات التي تم الإعلان عنها بأنها “نموذج مصغر مما جرى عام 2016″، حين حررت مصر عملتها، واتخذت مجموعة من الإجراءات الاقتصادية، فضلا عن حصولها على قرض من صندوق النقد الدولي.

في الحالتين كان هناك ضغط على الاقتصاد المصري والعملة المصرية وقطاع الاستثمار الخارجي في مصر، يقول داود.

ويضيف، عام 2016، كان احتياطي النقد الأجنبي في مصر قد تراجع بشكل كبير، كما أدت التقلبات السياسية إلى التأثير على قطاعات مختلفة من الاقتصاد المصري، أما الآن فقد خلقت تداعيات الحرب الأوكرانية وتراجع الاستثمار في الأسواق الناشئة ضغطا على الاقتصاد المصري.

ودائع الخليج

وبالتالي تحاول مصر بحسبه، جذب عملة أجنبية من الخارج، وهو ما رأيناه في الاتفاقات مع أبوظبي (ولاحقا مع الدوحة، كما في إعلان السعودية تقديم وديعة بقيمة 5 مليارات دولار في البنك المركزي المصري). كما تحاول التوصل إلى اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي، وتكرار الخطوات التي اتخذت عام 2016، وإن على نطاق أضيق، يؤكد داود.

ويشير إلى أن خفض قيمة العملة سيؤثر بشكل واضح في أسعار جزء من حاجات المستهلك المصري في السوق، لأن جزءا من هذه الحاجات مستورد من الخارج. “هذا ما حصل في 2016 حيث كانت هناك زيادة تضخمية في الأسعار، ما سيحصل الآن سيكون بشكل أقل لكنه متوقع”.

تخفيف العبء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى