مدونات

هل صارت النسوية تهمة؟

نهاية أبو حميدة - عربي بوست

استقبلتُ هذا العالم بأعينٍ باحثةٍ، وقلبٍ متلهفٍ للحقيقة، فقد كنتُ منذ صغري أبحث عمّا يعنيه أن أكون فتاةً. وكما اقتضى الحال آنذاك قبل أن تُرزق أمي بالصِّبية من إخوتي كنّا ست فتياتٍ دون إخوةٍ ذكور، تربينا في كنفِ أب صالح وأُم حكيمة. لكنّي كنتُ أتساءل دوماً عمّا يعنيه أن أولدَ أنثى، فهل أنوثتي ترادف الرقة والمحبة التي يعاملنا بها والداي؟ أم الخوف الذي نجده في عيون كثير من الآباء على فتياتهن، ومنهن؟ أم هي وضعية الدفاع التي أتعامل فيها مع من هم خارج إطار العائلة؟ نتيجة عدم شعوري بالأمان معهم، على عكس الشعور بالأمان والراحة والتلقائية التي تعتريني أثناء وجودي مع العائلة.

كبرتُ وأنا أبحث عن تلك المعاني وفيها، وعن الأشياء التي عليَّ فعلها كأنثى، وما يجب عليَّ تركه ونبذه بموجب أنوثتي هذه، ولم أكن أفعل هذا لأجلي فقط، بل لأجل كلِّ الفتيات اللواتي أعرفهن أولاً، ثم للهفتي على معرفة الحقيقة لأعرف بعدها أيّ طريقٍ عليَّ أن أسلك.

في بداية الأمر كوني فتاةً نشأتُ في بيئة مُلتزمة دينياً ومُراعية لأحكام وتشريعات الإسلام في قراراتها وتحركاتها، تشكَّلت عندي صورة قاتمة عن النسوية، جعلتني أرفض كلَّ ما يصدر من هذه الحركة، فكنتُ أراهنَّ يُبالغن في كثير مما يصدر عنهن، فأراهن يتناولن قضايا المرأة دون أن يكترثن إن تجاوزن حدود الإسلام أو صدر منهن قولٌ أو فعلٌ مُحرّمٌ، بينما هن يتحدَّثن في مجتمع إسلاميٍّ ملتزم، فأقول في نفسي: ما الجدوى من أخذ وضعية المحارب تجاه المجتمع الذي يعشن فيه؟

“الإسلام كرَّم ورفع قدر المرأة، ولم يحتقر النساء قط” هذا كلّ ما كان لدي لأصدّ أقوالهن التي تحملُ إساءةً للمجتمعات الإسلاميّة. وكان هذا نتيجة اعتقادي أن ما نسمعه ونراه من تعنيف وتحقير وتعدٍّ على حقوق النساء هي حالاتٌ شاذةٌ قليلة، علينا ضبطها ومعالجتها، إذ إنّي كنتُ ابنة رجلٍ جعلني سيدة حياتي وصاحبة القرار فيها، بل هو مَن علَّمني هذا، لم يختر لي يوماً، ولم يُخيِّرني، علَّمني كيف أبحث عن الخيارات وأختار أخيَرها، لم يُقرّر عني أبداً، لم يرغب أبي في أن يُنجب فتياتٍ مهزوماتٍ، فحاول قدر الإمكان ألّا يعلّقنا به، وألّا نعتمد عليه في كلّ أمور حياتنا خوفاً من أن نسقط إن أفلتَ أيدينا، قرَّرنا وحدنا: أيّ ثوبٍ سنبتاع، أيّ رداءٍ سنرتدي، متى ستبدأ كلّ واحدةٍ منّا بارتداء الحجاب الشرعيّ، ثم الجلباب، كنّا نأخذُ مشورته في كلّ ما نفعله، يعرف كلّ خطواتنا حبّاً لا قسراً، نسأله ونطلب مساعدته لكنّه لا يُقرر عنّا أبداً… وكفتاةٍ نشأت بهذه الطريقة، ظننتُ أنّ جميع الآباء كأبي، وكلّ الأمهات كأمي، والمُعنِّفون قلة، ولأنَّ أبي ربَّانا على الدين الوسطيّ، وعرَّفنا على عدل الله ورحمته بمراعاته فينا وبمحبته لعائلته، عرفتُ وأحببتُ الدين الإسلاميّ وقبِلتُهُ بحبٍّ وحمدٍ كثيرٍ، ولهذا أردت لكلِّ الفتيات أن يدركن ويعرفن كم أنّ ديننا رحيمٌ بهن، وأنَّ الله اللطيف الودود أكرمنا وأمر الرجال بإكرامنا، وغضب على من يعتدي على حقوقنا ويستضعفنا، وكان هذا سبب رفضي للنسوية في مرحلتي الأولى.

ومرحلةٌ تلو مرحلةٍ، وسنةٌ وراء سنةٍ تشكَّلت الصورة في ذهني وقاربت على الاكتمال، فعرفتُ أن المُعنَّفات كثيرات، وأنّهن يُقتَلن ويستعبدن بصمتٍ وسكوتٍ، وأنّ نظرة المجتمع للإناث ما زالت مخيفة ومُتعِبة. وعرفت أن أبي من النخبة، وأنّ كثيراً من الآباء لا يشبهونه، لكنّ الأهم أنّي أدركت أن تلك النساء لسن أرقاماً، فلكلِّ واحدةٍ منهن قصةٌ مبتورةٌ وحلمٌ سجين، وإن كانت هناك امرأة واحدة مُعَنفةً لا تقوى على إنقاذ نفسها فواجبنا نحن النساء المُرَفَّهات والمُنَعّمات الدفاع عنها، وعارٌ علينا السكوت، أليست هذه المُعنَّفة أختنا في الإسلام؟ وقد كانت أممٌ ودولٌ مسلمةٌ كبيرةٌ تنتفضُ لصرخة امرأة مسلمة، أم توقفت صرخة “وامعتصماه” عند كتب اللغة العربيّة في التعليم الابتدائيّ لدينا؟

وبالتالي فإن رفض حركات النسوية بحجة أنّهن لا يُراعين حدود الله في خطاباتهن هو أمرٌ مرفوض، وعذرٌ أقبح من الذنب نفسه، فإذا كانت حركات النسوية تفسد عقول الفتيات الصغيرات وتستغل النساء المُعنَّفات فلم لا ينهض المشايخ لتذكير الناس بحقوق النساء عليهم؟ ولم لا يُبنى فكرٌ وحركةٌ إسلاميّة لتوعية ونصرة النساء المسلمات والعربيات المُعنّفات بما يُرضي الله ولا يمس حدوده بأذى؟ إن كنّا قادرين على توجيه أصابعنا نحو غيرنا قائلين: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ، فلمَ لا تُراعى حقوق الله وأوامره في النساء من خلقه؟

ألم يكرّم الإسلام المرأة ويعزّها، ورفع قدرها ولم يحتقرها، كما ينكر المسيئون من المستشرقين والمستغربين وغيرهم؟

الله عزَّ وجل لطيفٌ بعباده رحيمٌ بهم، لا يرضيه أن يُظلم عبدٌ من عباده ذَكَراً كان أم أنثى، فكيف يرضى بالمذلة والظلم للنساء من عباده وخلقه؟

إن الهوة التي سقطت فيها مجتمعاتنا مردّها الإطالة في البكاء على الأطلال، والاكتفاء بالتراث، لترفعه حين يلفت نظرها أحدهم نحو راية الهزيمة البيضاء التي نُصبت عليها، نجيدُ سرد أمجادنا القديمة، ونبدع بذكر تاريخنا العظيم الذي أضعناه، فنكتفي بالثرثرة بدلاً من تصحيح أخطاء حاضرنا، الأمر ذاته ينطبق على قضية المرأة العربيّة، فإن رأينا امرأةً معنفة سارعنا بالقول: كانت العرب تُعلي قدر بناتها بكذا وكذا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحثُّ المسلمين على فعل كذا وكذا ليحفظ حق المسلمات، وأمر الله تعالى بتكريم المرأة والإحسان إليها، لكننا لا نعترف بأننا أضعنا هذا التراث العظيم، وخالفنا الله ورسوله، فلم نعد نراعي الحقوق، ولا نأبه بردها إلى أصحابها، ونكتفي بالتندر والهجوم على النسويات، ونتهمُ كلّ من يدافع عن حقوق المرأة أو يعترف بأنّهن يتعرضن لظلمٍ كبير بأنّها: “نسوية”، مع اعتقاد أصحاب هذا الفعل أنّ النسوية تهمةٌ وعارٌ.

لسنا في حالةٍ تسمحُ بإعادة كتابة التاريخ، ولا بإحياءٍ سريعٍ لحضارتنا، لكن بأيدينا أن نبدأ بتصحيح ما يمكن تصحيحه ضمن محاولة إعادة الأمور إلى مكانها الصحيح، ولو كان بمجردِ حملاتٍ توعوية إلكترونيّة لنصرة النساء المستضعفات ودعمهن، وتذكيرهن أن الإسلام بريءٌ مما يتعرضن له، إذ إننا نقرأ ونُصدم من جرأة المعتدين في بثّ أفكارهم السامّة على الملأ، وهذا وإن كان بسيطاً إلا أنّه يؤثر في عقول بعض المُتلقين قليلي الخبرة والمعرفة، أو أصحاب النفوس السيئة، فإن كانوا لا يترددون في نشر الشر لمَ يتردد أصحاب النفوس الخيّرة بنشر الخير ويستهينون بأثره؟

ختاماً، أقول إنَّ النسوية لها ما لها وعليها ما عليها، أحسنت وأخطأت كأيّ حركةٍ أو توجهٍ، بالغ بعضهن وتجاوز بعضهن، ليست ناصعة البياض، وبعضها ليس موغلاً في  السواد، لكنّهن على الأقل ينفذن مشروعهن ويحاولن، لذا فإنَّ النسوية ليست تهمةً، ودون أن نخوض في نوايا الأفراد والجماعات يكون حتماً علينا إن لم تناسبنا مشاريعهن أن نعمل على مشروعنا الخاصّ، بالمنهج والطريقة التي تناسبنا وتحترم ديننا وأحكامه، فلا نظلّ عالقين بين الواقع والنظرية، وبين ما يحدث وما ينبغي أن يحدث، وإلا فمن المُهين أن نستمر بالجلوس ساكنين مكتوفي الأيادي، ونطالب غيرنا أن يخدم توجهاتنا ومطالبنا.

صدق الله العظيم القائل: “هُنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنَّ”، ورسوله الذي قال: “ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم”. إلى كلّ النساء المكسورات الجريحات والباكيات: نحن آسفاتٌ لأجلكن، ومعكن، والله ورسوله وديننا الكريم بريءٌ مما تتعرضن له، وإنّما هذا سوء استخدامٍ وفهمٍ وتدبر ممن يلصقون أفعالهم الدنيئة بالإسلام المُبرَّأ من سوء نفوسهم.

هذا الدين لكُنَّ، ولأجلكنَّ، يحتويكنَّ ويفخر بكنَّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى