مقالات مختارة

هل لا تستطيع مصر حقًّا ضرب سد النهضة؟

الكاتب أحمد عطا الله "اضاءات"

ما تزال أزمة بناء إثيوبيا لسد النهضة الكبير، بولاية بن شينقول بالقرب من الحدود مع السودان، من أهم روافد القلق لمصر كدولة مَصَب في الوقت الذي تعاني فيه الدولة من مشاكل أخرى سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة، فتهديد السد لمصر هو تهديد لدولة ذات موارد طبيعية محدودة يقطن غالبية سكانها على ضفاف النيل فى قُطر تمثل الصحراء أكثر من 95 % من مساحته.

وبمتابعة تطور العلاقات المصرية الإثيوبية نجد عوامل تاريخية وجغرافية وسياسية تركت بصمتها على العلاقات بينهما، منها ما كان لأسباب النفوذ والتوسع مثل حملات الخديوي إسماعيل والتي انتهت بهزائم مدوية لجيش الخديوي، ثم التحول مع انحسار عهد الاستعمار وبروز دور سياسي فاعل لمصر مساند لحركة التحرر الوطني في أفريقيا لتبدأ علاقة جديدة مبشرة تمثلت ذروتها في دعوة عبد الناصر لإمبراطور إثيوبيا لافتتاح الكاتدرائية المرقسية، لينتهي هذا مع بدء توجه السادات غربًا بالانضمام لنادي سفاري لمواجهة المد الشيوعي في دول أفريقية منها إثيوبيا، واستمر الاستفزاز بإعلانه شق ترعة السلام من مصر متجهة لإسرائيل، ومع انزواء الدور العربي المصري وانكفائها على ذاتها، ساهمت محاولة اغتيال مبارك فى أديس أبابا في إنهاء الباقي من الاهتمام المصري بامتداده الأفريقي، حتى المفاجأة بإعلان بناء السد.

وبينما استنفدت مصر أو كادت تستنفد جولات الحوار المتعددة والفنية الممتدة، يطالعنا العديد من الخبراء العسكريين أن فكرة ضرب السد مستحيلة، بينما يتبارى إعلاميون وصحفيون في عرض سيناريوهات مصر لضرب السد، فيما تماطل إثيوبيا في التعامل مع اللجان الفنية باعتبار مخرجاتها توصيات غير مُلزمة، وتقترح تغيير اللجان الفنية والمكاتب الاستشارية من حين لآخر، يبقى السؤال الوارد في عنوان هذا المقال محلّ جدلٍ حقيقي.

هل تستطيع مصر؟

وفقًا لموقع جلوبال فيرز باور وبمقارنة قدرات مصر العسكرية بإثيوبيا، يظهر و بوضوح تفوّق الجيش المصري حيث قوامه ثلاثة أضعاف الجيش الإثيوبي تقريباً، وفي حين يتخطى عدد الطائرات المصرية المقاتلة و التدريب و النقل العسكري الألف طائرة، يبلغ عدد الطائرات الإثيوبية حوالي المئة طائرة، وتبلغ عدد المطارات العسكرية المصرية 83 في مقابل 57 في إثيوبيا، لكن هذا التفوق العسكري لمصر أفريقيًا تعوقه عدة إشكاليات أغلبها سياسية و جغرافية و تقنية، أهمها:

1- طول المسافة

رغم كثرة المعيقات التي يبديها الخبراء الإستراتيجيون أمام تدخل عسكري مصري محتمل، يبدو تساؤل الشباب عن المسئول عن تدهور القدرات والإمكانات العسكرية خلال الثلاثين سنة الماضية وعدم تحديثها منطقيًّا، فإذا كان كل هذا الإنفاق العسكري الكبير مقارنة بالإنفاق العام لم ينفق في تطوير القدرات العسكرية لمواجهة المخاطر على الأمن القومي فعلام أنفق؟ فيما يرد آخرون بأن القدرات الصاروخية المصرية متطورة وقادرة على هدم السد في أي لحظة.

أصدر معهد ستراتفور الأمريكي، صيف 2013، تقريرًا يتحدث فيه عن خيارات مصر المحدودة عسكريًّا لتدمير سد النهضة، ويتحدث عن صعوبة إمكانية استخدام الطيران لطول المسافة بين مصر وإثيوبيا، وعدم امتلاك الجيش لطائرات تزوّد بالوقود، مما يجعل عملية التحليق لفتراتٍ طويلة غير ممكنة.

لكن هذا العامل قد يمكن التغلب عليه إما بتزويد الجيش بطائرات تزود بالوقود جوًّا، أو بتوجيه ضرباتٍ من مواقع ثابتة أقصى جنوب مصر، وهو ما بدا نقاشًا جدّيا على بعض المنتديات الضيقة للعسكريين، إذ يرون أن التعاون المصري مع الصين وكوريا الشمالية أثمر توقيع اتفاقات تطوير و إقامة مصانع لإنتاج صواريخ باليستية غير معلوم تفاصيلها، رغم أنهم يرجّحون أن مداها وقدراتها تصل إلى حمل 7000 رطلٍ من المتفجرات، إذ أن مدى دقة و حمولة الأجيال الأحدث الحالية للصواريخ الصينية والكنولوجيا التي وصلت إليها بمعدل خطأ 50 مترًا فقط تجعل من مهمة إصابة السد ليست بالصعوبة التى يتخيلها البعض؛ إذ أن مصر حصلت في منتصف الثمانينات على تكنولوجيا صواريخ باليستية تبلغ دقتها 0,1 % من مداها خلال اشتراكها في تطوير مشروع الكوندور-2.

2- الموقف السوداني: رغم تأكيد السودان لعدم وجود انحياز لصالح طرف عن طرف، لكن بلغة المصالح ما سيعود على السودان من بناء السد جيد يتلخص، وفقًا لوزير الخارجية السوداني، في ضبط منسوب الفيضان والاستفادة من الكهرباء الرخيصة المتولدة من السد، كما أن إثيوبيا تعد السودان بترسيم الحدود بينهما في الفشقة.

هذا الموقف والذي سيكون عائقًا مباشرًا أمام التدخل العسكري المصري من حيث إمكانية تحليق مقاتلات جوية على أراضيه، فضلاً عن إمكانية استخدام السودان كقاعدة للانطلاق والهجوم، يمكن التغلب عليه إذ سوف تجد السودان حرجًا في أن تقف في وجه هذا التدخل إذ قد تجد نفسها معزولةً عربيًّا لما لمصر من نفوذ، كما يسهل إقناعها.

3- مزايا الدولة الحبيسة

ومعناه أن إثيوبيا لا تطل على شواطىء، فجيرانها من الشرق أريتريا، و جيبوتي، و الصومال، والذين وإن لم تربطهم علاقات جيدة معها لكن يشكلون لإثيوبيا درعًا قويًّا في مواجهة أي عدوان من الشرق، فأيّ محاولة للتعاون مع مصر فضلاً عن السماح لمقاتلاتها الجوية بالتحليق في سمائها في طريقها لإثيوبيا لن تأمن فيه هذه البلاد من ردّة الفعل الغاضبة من قِبل أديس أبابا، لكن تحجيم هذا العائق وبافتراض اعتراض السودان يمكن الاعتماد على تفاهم مصري سعودي إريتيري جيبوتي بمنطق «مزيد من التدخل في اليمن وسوريا مقابل دعم مالي لموقف إريتيري جيبوتي مساند».

4- عامل الوقت

يلعب التوقيت دوراً مهمًّا في حالة تنفيذ تدمير السد سواء بقصف جوي أو إمكانية تسلل فرق صاعقة لتفجيره، فيصف مراقبون بوجوب عدم الانتظار حتى ملء الخزان لخطر تدفق المياه نحو السودان وقد يضرب السد العالي، ولكن يفضّل أن تكون في مرحلة متقدمة من البناء وليس في البداية كي يكون من الصعوبة إعادة بنائه، أي أن تكون هذه الضربة قد تمت أو في التجهيز لها.

5- العوامل السياسية الداخلية

وفضلاً عن تدعيم قوى دولية وإقليمية لإثيوبيا في بناء السد والمساهمة في تمويله، تلعب جملة من العوامل السياسية تؤثر على احتمالية استخدام الحل العسكري، فيمثل استمرار مشاركة القوات المصرية في التحالف العربي في اليمن، وداخليًّا الحرب المستمرة دون انقطاع منذ أكثر من 3 سنوات ضد الجماعات المسلحة في سيناء، كذلك الحديث عن القلق المستمر تجاه الحدود الشرقية ومحاولة إيجاد دور فاعل في ظل تعقيدات المشهد الليبي الداخلي والتأثر به من تسرب للسلاح والأفراد المسلحين، كل هذا يمثل صعوبة في إمكانية فتح جبهة صراع جديدة باحتمالات الرد الإثيوبي لضرب مناطق حيوية أهمها السد العالي.

ورغم الحالة الشعبوية التي قد تصنعها الضربة العسكرية لإثيوبيا وإعادة استجلاب لشرعية الأمن ولا صوت فوق صوت المعركة، فالحالة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد عند تحولها لاقتصاد حرب، قد يلتهم هذا من الحالة الاصطفافية بعد مدة قد تطول أو تقصر محمِّلاً النظام مسئولية مآلات الأوضاع، وهو ما قد يحسب له النظام جيدًا.

الخيارات الواقعية المتاحة أمام القاهرة

1- استنفاد جانب المفاوضات:

تتضمن اتفاقية إعلان مبادىء سد النهضة الحديث حول التعاون والثقة وضمان الاستخدام المنصف للموارد المائية وتبادل المعلومات والبيانات وضمان أمن السد والتسوية السلمية للمنازعات.

ويتمحور اتجاه السياسة المصرية الحالية حول السد في التفاوض حول الأبعاد الفنية كالتشغيل والسعة التخزينية وملء بحيرة السد أكثر من فكرة تصميم السد ذاته، مثل طلب زيادة فتحات السد، والاتفاق على المكاتب الاستشارية لدراسة السد.

2- اللجوء للقانون الدولي:

بعد حوالي 11 جولة من المفاوضات بين لجان فنية ولجان وزارية متخصصة و وزراء خارجية وحتى قمة، قد يبدو أن الاحتكام للقانون الدولي أمر مطروح، بعد الانسحاب من اتفاقية المبادىء والذهاب سواء باللجوء لمنظمات إقليمية كالاتحاد الأفريقي أو تدويل القضية عبر إحالتها لمحكمة العدل الدولية أو مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية إذا رفضت إثيوبيا، احتكام بدعم القوانين الدولية المتعلقة بالأنهار العابرة والاتفاقيات الثنائية والاتفاقات المبرمة بين دول الحوض.

تبقى الإرادة السياسية المصرية، العامل غير المحسوم

أزمة السد كاشفة للغاية عن تفاعلات السياسة في مصر، فيتناسب مع قوتها الحالية وتأثيرها في دوائرها الدولية والعربية والأفريقية والتماشي مع مقتضيات الموازنة بين تعقيدات المشهد الداخلي السياسي والأمني والاقتصادي والقدرة الذاتية وتعضيد الشرعية وتوازنات القوى الإقليمية، كما أدى تخبط القرار السياسي بخصوص السد وعدم تبلور رأي حاسم تجاهه، والذي استطاعت إثيوبيا استغلاله جيدًا لصالحها – رغم أزماتها الداخلية أيضاً – واستطاعت إخراج مصر من حالة التفكير والتلويح بالقوة للاعتراف بالواقع و إجبارها أخيرًا على الجلوس لطاولة المفاوضات.

لكن أيضًا فإن النظام الذي يقف على رأسه عسكري سابق، يفترض فيه إدراك المخاطر التي يشكلها بناء السد والطريقة الإثيوبية في فرضه كأمر واقع وتكتيل دول حوض النيل ضد مصر هو خطر على الأمن القومي المصري وتهديده لنظرياته الأساسية ومناطقه الأصيلة، ومن ثمّ فإن عملية عسكرية ناجحة أو التلويح بها قد تكون مصدرًا لشرعية قوية للنظام، بل قد تعطيه شرعية للتمديد لفترات رئاسية وتجاوز الأزمة السياسية الداخلية. أيضًا فإنه في ظل عودة العالم إلى القوة العسكرية الصلبة في أكثر من حالة، فإن المبادرة بمثل تلك الضربة قد تجلب المزيد من الأتباع وتطرح النظام المصري باعتباره نموذجًا في الدفاع عن أمنه، وقد تعيد مصر لمكانتها خاصة أن إثيوبيا تعاني عدة أزمات داخلية وأزمات مع جيرانها.

إذن كما أن هناك معوقات لمثل هذه الضربة فإن هناك أسبابًا منطقية ومصالح سياسية تكافئها إن لم تكن أقوى وقد تدفع باتجاه تصعيدٍ يبدو أن له مؤيديه داخل النظام وفي الشارع المصري بوجه عام، خاصة بعد كل هذا الجدل حول جدوى التفاوض. وبعبارة الرئيس السادات «أن نذهب فنموت هناك خير من أن نموت هنا عطشًا».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى