مدونات

هل منح اغتيال سليماني طهران قبلة الحياة؟

محمد الفاتح الريس

تباينت ردود الأفعال الدولية والإقليمية على مقتل قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني بقصف صاروخي من طائرة أمريكية مسيرة أثناء زيارته لبغداد حيث مثلت هذه العملية صدمة كبيرة للحكومة الإيرانية التي بدت متفاجئة بالخطوة الأمريكية وتوعدت الرئيس الأمريكي بالرد القاسي على لسان المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي ونفذت إيران تهديدها فعلياً وذلك بهجوم صاروخي على قاعدتين أمريكيتين في العراق يوم الأربعاء 8 يناير كما شن قراصنة إيرانيون هجمات سبرانية على مواقع فدرالية أمريكية في وقت سابق من هذا الأسبوع، وذكر متحدثين عن الحرس الثوري الإيراني عن رصدهم لأكثر من مائة هدف أمريكي في الشرق الأوسط كلها تحت مرمى النيران الإيرانية.

يأتي توقيت هذه العملية قبل الانتخابات الأمريكية ليؤكد أن الرئيس ترمب أراد أن يكسب سنداً شعبياً مثل سلفه في الحزب الجمهوري جورج بوش إبان غزوه للعراق كما يهدف للظهور بمظهر الرجل القوي الذي سيحمي الأمريكيين من خطر إيران، أيضاً أراد الرئيس أن يشغل الرأي العام الأمريكي عن الإتهامات المتكررة التي يواجهها من الديمقراطيين فيما يتعلق بإستغلال النفوذ. فيما مثلت الاحتجاجات الشعبية الإيرانية أيضاً دافعاً قوياً لدى ترمب بظنه أن اغتيال رجل كسليماني في هذا التوقيت سيكون قاصمة ظهر الحكومة الإيرانية وسيعجل بسقوطها وسيتوج مجهود كبير قام به من خلال العقوبات الخانقة التي حاصر بها الإيرانيين عقب خروجه من الإتفاق النووي.

لكن يمكن أن نقول أن ردة فعل الشعب الإيراني على مقتل سليماني أذهلت كل المتابعين حيث شيع الملاين -بحسب وكالات الأنباء العالمية- جنازة قائد فيلق القدس في جنازة هي الأكبر من نوعها في إيران منذ تشيع قائد الثورة الإيرانية الإمام آية الله الخميني حيث اختفت مظاهر الاحتجاج تماماً وتوحد الشعب الإيراني أكثر من أي وقت مضى رغم الوضع الاقتصادي المتردي نتيجة للعقوبات الأمريكية. الاستجابة السريعة من الحكومة الإيرانية لهذا الحدث من خلال تعيينها لخلف سليماني والخطوات التصعيدية التي اتبعتها أكدت للمتابعين أنها ستستفيد أقصى استفادة من السند الشعبي القوي الذي توفر لها، حيث لم يكن أكثر المسؤولين الأمريكيين تشائماً يتوقع أن يخرج 10٪ من هذا العدد الذي خرج لتشييع سليماني.

أيضاً مثلت ردة فعل حلفاء طهران القوية في المنطقة دافع معنوي إضافي للإيرانين وزادت من قلق حلفاء واشنطن في المنطقة أبرز ردور هذه الفعل تصويت البرلمان العراقي على قرار يقضي بخروج القوات الأمريكية من العراق وهو قرار ليس لديه تبعات قانونية ولكن له دلالات سياسية كبيرة ويدق ناقوس الخطر بإنعدام السند السياسي لواشنطن في العراق كما أن أي هجمات إيرانية على أهداف أمريكية مستقبلاً ستزيد من الضغط الإعلامي على الرئيس ترمب وستُسغل من قبل الديمقراطيين الذين ينتظرون مثل هذه الأحداث ليبرهنوا على عدم نجاعة سياسته تجاه الشرق الأوسط وليثبتوا صحة انتقادهم لعملية اغتيال سليماني.

دولياً فإن الموقف المشترك لروسيا والصين بعرقلة بيان لمجلس الأمن يدين فيه الهجوم على المنشآت الدبلوماسية في العراق لخلوه من اغتيال سليماني مثل رسالة قوية لحكومة ترمب مفادها أن الدولتين ستقفان بجانب إيران في أي نزاع محتمل في المنطقة وما المناورات البحرية الثلاثية المشتركة لكل من إيران، الصين وروسيا إلا دليل على عمق التفاهم العسكري، الدبلوماسي وربما الاقتصادي بين هذه الدول. وبالرغم من أن اغتيال سليماني يُعد خسارة كبرى لطهران إلا أن الأجواء الاستثنائية التي خلقها في إيران جعلت منه (قُبلة الحياة) للحكومة الإيرانية لِما حققه من إجماع محلي شعبي وتعاطف إقليمي ودولي سيكون له ما بعده على الصراع في المنطقة.

وما بين اتساع خيارات طهران في المواجهة بدءاً من الهجمات المباشرة على القواعد الأمريكية في المنطقة أو تصعيد حرب الوكالة على حلفاء واشنطن في المنطقة أو حتى عمليات القرصنة في الممرات المائية وإغلاقها تماماً تضيق خيارات ترمب حيث بات من المؤكد أن لنتيجة هذه المواجهة المفتوحة مع طهران التأثير الأكبر في بقائه في البيت الأبيض أو الخروج منه مجرجراً لأذيال الهزيمة. كما بات في حكم المؤكد أيضاً أن أقل المكاسب للإيرانيين هي خروج واشنطن من العراق وربما العودة لطاولة المفاوضات النووية بإرتياح أكبر لطهران وذلك ليس بسبب قوة إيران أو ضعف الولايات المتحدة ولكن بسبب العزلة الدولية التي تعاني منها واشنطن -بسبب سياسات ترمب- وعدم استعداد المزاج الأمريكي العام لخوض غمار حرب مجهولة النتائج في الشرق الأوسط -مجدداً- وجراح حرب العراق لا تزال غائرة في ذاكرة الأمريكيين كما أن لزيادة الاستقطاب السياسي الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين بالغ الأثر في ضعف التماسك الداخلي للولايات المتحدة حيث يقلل ذلك من مقدرتها على إتخاذ قرار مفصلي مثل هذا ضد طهران.

نقلا عن .. مدونات الجزيرة 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى