مقالات مختارة

هل يتم إعدام المتهمين في قضية رابعة؟

أحمد مفرح

تهدف الثورات، بداهةً، إلى التخلص من النظم المستبدة، وفي حال فشلها ونجاح الثورة المضادّة، عليها أن تنتظر سوء العاقبة. أما في الحالة المصرية، فيعتقد بعضهم أن الأمور تتجاوز ذلك، فقد عاد الجيش بالانقلاب العسكري إلى إرثه التاريخي، الذي يدّعيه، في أقل من عام، ليضع نفسه، مجدّداً، فوق الدولة، وفي منأًى عن النظامَين القانوني والقضائي. وبخطط محكمة، قاد حملة إقصاء كامل لخصومه السياسيين، طاولت حتى مؤيديه، وبالتوازي أفرد سيطرته على كل مفاصل الدولة ومؤسساتها فهل يمكن لنظامٍ كهذا أن يتسامح مع مناوئيه الذين انقلب عليهم، وأفشل مخططاتهم فى إعادته إلى ثكناته صاغراً أو بالتحايل؟

الذين ينتظرون رفض عبد الفتاح السيسي التصديق على أحكام محكمة النقض النهائية، والباتّة، بإعدام 12 من معارضيه لا يدركون الحقيقة: الانقلابات العسكرية تأتي بالدم لا بالعفو، بالقتل لا بالمناورة، فمنذ العام 2013، وطبقا لرصد “كوميتي فور جستس” وتوثيقها، تم تنفيذ حكم الإعدام على 92 معارضا فى قضايا ذات طابع سياسي، كما صدرت أحكام نهائية وباتّة بالإعدام على 64 آخرين ينتظرون دورهم على حبل المشنقة في أي لحظة. وفى قضية فض الاعتصام في ميدان رابعة العدوية في القاهرة تحديداً، في أغسطس/ آب 2013، والتي وُصفت جريمة فضها بأنها “من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث”. لا خلاف على أن من نجا من المذبحة اقتيد إلى السجن، ليقبع فيه مع خطة قتل ممنهجة، فمن لم يمت بسبب الإهمال الطبي أو التعذيب البدني والمعاملة اللاإنسانية أو المُهينة قد يتم التخلص منه بالإعدام.

عمل النظام على تصفية معارضيه، تحت مظلة القضاء، المسمّاة بالعدالة الناجزة

وفى المجمل، وضع النظام ثلاثة سياقات لإخراج مسرحيات الإعدام والقتل، في خطوة إقصائية لم تعرفها البلاد في تاريخها القريب: سياق واقعي قام فيه بعمليات قتل مباشرة لمعارضيه علي مرأى ومسمع من العالم، كما حدث في فض اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة. سياق مغلق، كما الحال فى السجون ومراكز الاحتجاز عن طريق الإهمال الطبي وسوء المعيشة والتعذيب حتي الموت. سياق مفتوح، لكنه يخضع للسيطرة الكاملة، كما في المحاكم القضائية عن طريق إصدار أحكام بالإعدام. وقد أخبر أحد المحامين الكبار الكاتب أن واحداً من قضاة الإعدامات في مصر لا ترُدّ محكمة النقض أحكامه، إذ لا يترك فرصة، ولا يمرّر خطأ في استدلالاته المعيبة، يتأنى ويسمع ويفكر ويقدّر ويدبر ويبني القضية بهدوء، لتبدو متماسكة، ليرفع عن محكمة النقض الحرج، ويعطيها غطاءً مُحكماً لتمرير أحكامه. أما في هذه القضية تحديداً، فإن السياسي يختلط بالقانوني، فلا القاضي بدايةً بناها بإحكام، ولا “النقض” التزمت بأدنى درجات المصداقية، ولو المصطنعة، في تمريرها.

الجميع يعلم أن النظام القضائي في مصر يخضع بالكلية للنظام السياسي، فهو أداة من أدوات قمعه. وأن مساحة التبعية تتجاوز التخلي عن جزيرتين استراتيجيتين بقرار سياسي إلى تقنين الحبس الإحتياطي لعشرات آلاف من المعتقلين سنوات، والاستيلاء على أموال رجال الأعمال بالقوة الجبرية، كما حدث مع صفوان ثابت، مالك شركة جهينة ونجله، ورجب السويركى، صاحب سلاسل التوحيد والنور. كما أنه منذ واقعة مقتل النائب العام هشام بركات، والإشارات التي خرجت من السيسي بين القضاة، عمل النظام على تصفية معارضيه، تحت مظلة القضاء، المسمّاة بالعدالة الناجزة. أما ضحايا فض الاعتصام في ميدان رابعة تحديداً، فالأجواء تُجهز، منذ أشهر، عبر الدراما الرمضانية لإعدامهم، والقاتل الجلاد فى الفصل الأخير من القصة الدامية هو القاضي.

الفخ الحقيقي الذي سقط فيه السيسي، ولن يستطيع الخروج منه، مذبحة ميدان رابعة العدوية في فعلها المأساوي، وهي نقطة ضعفه الحقيقية، بغض النظر عن ضعف خصومه

بعيداً عن القانون والدستور وأحكام المحاكم وغيرها، في هذا النمط من القضايا يرتبط التصديق فيها على الأحكام بشكل باتّ ونهائي، بجملة من السياقات الداخلية والخارجية. وعبد الفتاح السيسي يقف في أوج قوته على رأس دولة القمع التي بناها بجهده، وأسّسها بمصابرته، وحتى حينما خسر ترامب الانتخابات الرئاسية الأميركية، وبدا الجميع ينتظر من ساكن البيت الأبيض الجديد، الرافض سلوكيات سلفه، تقييداً، ولو محدوداً، للممارسات الديكتاتورية، بدأ النظام محاولةً استباقيةً لوأد أي تحرّك مضاد، بعمل بروباغاندا، والإعلان من واشنطن عن خطة استراتيجية لحقوق الإنسان، وسط حديث عن عفو رئاسي مزمع عن آلاف المعتقلين. ولكن جاءت الحرب الإسرائيلية العدوانية على غزة لتقلب الأوضاع، إذ استغلها السيسي ببراغماتية غير مسبوقة لتأصيل أهميته، وتأكيد قدراته كحصان طروادة، في حماية المصالح الغربية، وجاهزيته للقيام بأي دور. وهنا تجاوز فخ بايدن، كما تجاوز هزيمة أمير حربه الفاشل في ليبيا، خليفة حفتر، ليتحصّل على مكتسباتٍ من لا شيء، من منافسيه الذين حاربهم سنوات. وها هو يعيد تموضعه بالابتعاد رويداً عن أبوظبي إلى الاتجاه المعاكس، ليطرأ تحسّنٌ على علاقاته بقطر، حتى إن تثبيت أحكام الإعدامات صدرت ووزير خارجيته سامح شكري في الدوحة.

فى المقابل فقد خصوم النظام (الإخوان المسلمون) أمام التحرّك الرسمي له، مساحتهم وحاضنتهم الإقليمية، رويداً، واستمرّوا فى مسيرة الضعف والتقهقر والتلاشي. وداخلياً، أجبرت دوامة الاعتقالات الجميع على الصمت، ولم يعد هناك صوتٌ سوى سرديات الخوف.

نحن أمام ثلاثة سيناريوهات متوقعة، فيما يخص هذه الأحكام. تنفيذ أحكام الإعدام، فالفرصة متاحة الآن بشكل كبير، ولا توجد أي إرهاصات لردود فعل، إذا ما تم هذا. التصديق على الأحكام مع تأجيل التنفيذ إلى أجل غير مسمّى، واستخدامها ورقة ضغط على المعارضين في الخارج، وفي مواجهة أي ضغوط خارجية قد تحدث في ملف حقوق الإنسان أو ملف التحول الديمقراطي والمطالبات بفتح المجال العام. السيناريو الأضعف، عدم التصديق على الأحكام، وتخفيفها إلى السجن المؤبد، هذا في حال أراد السيسي طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة بأقل الأضرار الممكنة، مع الضغط الإثيوبي في ملف سد النهضة، والتدهور المتزايد في شعبيته، وتردّي الوضع الاقتصادي.

النظام القضائي في مصر يخضع بالكلية للنظام السياسي، فهو من أدوات قمعه

الفخ الحقيقي الذي سقط فيه السيسي، ولن يستطيع الخروج منه، هو مذبحة ميدان رابعة العدوية في فعلها المأساوي، وهي نقطة ضعفه الحقيقية، بغض النظر عن ضعف خصومه. ستظل الدماء تغلي وتتسع دائرتها، لتبتلعه في نهاية المطاف. هو يدرك ذلك. لذا حاول، ربما نوعا من الهروبية، أن يحوّل الضحايا إلى جناةٍ مجدّداً. كما يضغط عليه إلحاح تكرار الانتقام ورغبة الاستئصال، من ضحاياه حتى تتلاشى فرص عودتهم، وينجو من لحظة انتقام افتراضيٍّ ربما تطارده في أحلامه.

وهو أيضاً يعطي رسالة إلى المجتمع الذي يحكمه بالخوف أنه لن يردعه شيء. ثم لماذا لا يستمر في استغلال القضاء؟ فوجود قاضٍ على رأس محكمة النقض، بلا وازع، مثقلٍ بالأزمات، فرصة يجب أن تُستغل.

وأخيراً، لم يكن رد الفعل الإقليمي، ولا الداخلي، المتوقّع على إعدام العشرات طوال العام الماضي، والذي قبله لائقاً أو كافياً لردعه: إذاً لماذا لا يستمر فى خطواته، ويغلق الملف برمته، وهذه المرّة الصيد ثمين، إنه محمد البلتاجي، ومن كالبلتاجي بالنسبة لمدير المخابرات الحربية الأسبق الذي بات ديكتاتوراً أبرز فى سماء العالم؟ إنه الجائزة الكبرى. .. ولكن في النهاية بينما كان الديكتاتور المغرور يحكم بالإعدام على مزيد من ضحاياه، كان شبيه له في سربرنيتسا، الجنرال راتكو ميلاديتش، حيث وقعت أسوأ إبادة جماعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، يتخطّى إلى داخل سجنه عتبة الحبس مدى الحياة. .. دور أحدهما الوظيفي انتهى، بينما الآخر ينتظر.

نقلا عن عربي 21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى