مدونات

وإني أسميتك حمزة.. لبابة عبد الناصر

أسلمتُك قنديل الأمل، وعقدتُ عليك لواء الإباء كما عُقِدَ أول لواء لسيد الشهداء، وتوجتُك برداء البصيرة وجعلت أحيكه لك خيطاً فكلمة، ونسيجاً فعِبرة، فما اكتمل حتى بزغت منه قصائد الحرية، وعِظات (سيد) القطبية وأنامل ثورة يتيمة خطت على جدار الزمان بأن أول النضال (ثورة).. أوليتُك قبلة الطريق ومنتهى الدرب الطويل، وهمست لك هذا هو الطريق وتلك هي المعالم، هذا هو السبيل، أأبصرته؟ أرأيت فيه إلا الدماء والآلام، أما زكُمت من ريح الحزن والآهات أم أنك امتطيت صهوة الهمة وأدركت أن لواءك لا يُسلم بالهين اليسير؟ أسد الله ورسوله حمزة رضي الله عنه وأرضاه فلتكن ضيغم درب الياسمين.. وأول الكفاح حمزة تقبله الله، فلتكن ثأر كل الماضيين..

فإني أسميتك حمزة.. وإن أحب الأعمال إلى الله أحمزها.. هذه ثورتك فاسعى في مناكبها وتسامى في مبادئها وتوكأ على عصا الثبات وابذل ولا تذبل فإن البذل يُوردك خير المنازل، ودعها لله، فإن لم تكن له فقد ذهب ما صنعتَ هباء منثوراً ولو التف عليك أهل الأرض جميعاً، إياك! وأرصفة الشهرة، هناك حيث يقبع الكثيرون، سيعجبونك، وينالون تقديرك، لكنهم تماثيل شمع فارغة، ثق يا ولدي، بأنهم أسرى الهوى، أسرى لرغبات طاغوت ذاتهم الذي يلتهم مبادئهم رويداً رويداً، وفي حين سقوط، يتردى القوم..

وينسون ويخلد من صدق تلك هي سنة الحياة.. لأن دين الله عزيز لا يُمتطى، وإن تشابهوا عليك في البدايات حيث يلمع الجميع ولكن النهايات دائما للثابتين الذين صدقوا الله، فكانوا رجاله بحق.. إياك يا بني من الكلمات البراقة والشعارات الجوفاء، والمظاهر البليدة التي تميع قضيتنا وتجعلها غثاء.. الدم لا يفله سوى الدم، والثأر باق، ولا ذكرى لحي، أي بني: إياك والانسياق وراء تلك الجموع التي تتقن فن الندب وشق الجيوب والترحم على من قضى والبكاء على ما مضى، أنت بطل اليوم وابن اللحظة الآتية، والثورة ماضية ما شاء الله لها ذلك، فاصنع خيراً واستعن بالله ولا تعجز.. بُني كثرت المسالك وضُللت المعالم وتباينت الرايات، فإياك يا ولدي من مطالعة الشبهات..

ولا تجعل من ذلك سببا بأن تقعد مع القاعدين الذين ثبطهم الله وكره انبعاثهم، بل استفت قلبك واتخذ الإخلاص نورا تهتدي به للحقيقة فما ضل مخلص ولا ضاع صادق وفوض أمرك لله يهديك.. وكن مع الله يكن معك.. بُني: هديناك اسماً إن لم تحمله، حملك.. وإنك لترتقي به مرتقى صعباً، فكن أهلاً لذلك.. كن أسداً في العزم، وغزالاً في السبق، وإياك أن تتثعلب لغاية، فلا غاية تبرر وسيلة، ولا هدف يبرر ميل السبيل الموصل إليه، فاستقم ما استطعت واستعن على ذلك بعُرى توثقها في فؤادك، كل عُقدة منها تمتد لأنحاء روحك، وتنسلُ في حين ضعف يقيناً وثباتاً في لُبك، بني كن من الجيل الذي لن يخلع رداء الثأر، من الفئة التي لن تصالح القتلة، من الذين لا تخدعهم المصالحات الزائفة والمصافحات الخائنة.

كن أميناً على السيف ألا يغمد، وعلى الحق ألا يُبتر وعلى الرمح ألا يكسر وعلى القلم ألا ينضب، وعلى لواء الحرية ألا يُلقى وتدوسه الآلام العابرة والأصوات الهامسة والدموع الخجلى من دم الشهداء.. بُني لا غالب إلا الله، وإن هي إلا بلاء وتمحيص، وقد يطول الامتحان ويسّاقط الذين في قلوبهم مرض واحداً تلو الآخر لتشعر أنك وحيدٌ رغم كثرتهم من حولك وأنك غريب رغم زحامهم الزائف، تمسك بتلك الغربة تنجو وإياك أن تخذل مظلوماً، أو أن تسقط في شباك التخاذل والوهن، فإن النصر يا ولدي لا يُمنح للمتخاذلين.. بني التمس خطى أبيك.. فإن فعلت فلقد نلت صدق البدايات وثبات النهايات.. وكن أنت، فلكل (حمزة) من اسمه نصيب..

نقلا عن مدونات الجزيرة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات