مقالات مختارة

والآن نقدّم لكم يعقوب

بالتزامن مع حرب غزّة أخيراً، عرضت مؤسسة فايس، الأميركية، فيلماً بعنوان “داخل المعركة لأجل القدس”، يقدّم نموذجاً عملياً عن أسباب الطفرة الواضحة التي حققتها القضية الفلسطينية دولياً في الآونة الأخيرة. تضمن الفيلم الذي أحرز أكثر من خمسة ملايين مشاهدة أول مقابلة صحافية غريبة مع المستوطن يعقوب، الذي ظهر في مقطعٍ بالغ الشهرة، وهو يتلقّى لوم الفلسطينية المقدسية منى الكرد “أنت تعرف أن هذا ليس منزلك”، فيردّ عليها “إذا لم أسرقه أنا سيسرقه غيري”!

في الفيلم، نعرف أن يعقوب كان يسكن في “لونج أيلاند” في نيويورك، وقد جاء إلى هنا لأن المنزل تم منحه له من مؤسسة نحالات شمعون، الاستيطانية. يردّ على الأسئلة الصريحة للصحيفة بأن سبب وجوده هنا رغبة المؤسّسة في رفع الوجود اليهودي في القدس، وألا يتم التخلي عن هذه المنطقة في أي اتفاق سلام قادم.

عرض الفيلم لقاءً آخر مع آريا كينج، نائب عمدة القدس، والذي كانت مرجعيته لإثبات أحقية اليهود في هذه الأرض دينيةً بحتة، كما أكد بصراحة رغبته في هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة لبناء الهيكل، مضيفاً “نثق بأن الرب سيجعل هذا يحدُث، وندعو أن يتم ذلك في حياتنا”.

أغلب التعليقات هاجمت يعقوب تحديداً بحدّة، وكان من اللافت أن تعليقاتٍ توقعت أن يكون من مؤيدي ترامب. لاحقاً، تم العثور على صفحته في موقع فيسبوك، ليظهر أنه بالفعل مؤيد متحمّس لترامب، وكذلك كان يرفض إجراءات الغلق للوقاية من فيروس كورونا، وهو الموقف الذي يشترك فيه مع قطاع كبير من مؤيدي ترامب.

لسنوات تنافس الخطاب الفلسطيني مع الخطاب الإسرائيلي عالمياً على أرضية اجتذاب التعاطف العالمي، وكذلك على أرضية تقديم النموذج الأقرب إلى الشعور الغربي بالتماهي مع قضيته، لذلك كرّرت إسرائيل، بلا ملل، دعاية “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، دولة متقدمة مثل الدول الغربية يسكنها شعبٌ متعلم ومبادر، كانت شخصية “سروليك” الكاريكاتيرية نموذجاً لتلك الروح اليهودية الحديثة، التي تناضل وسط محيطٍ من الجهل والتعصب.

تدريجياً، انعكست الصورة، أصبح يمكن للمواطن والسياسي الغربي أن يشاهد عارضة الأزياء الأميركية من أصل فلسطيني، بيلا حديد، في مقابل صورة يعقوب، وأمثاله من المستوطنين اليمينيين.

خلال السنوات الأخيرة، شهد الغرب صعوداً كبيراً للأجنحة الأكثر يمينيةً والأكثر يساريةً، ليتم تقاسم الأوساط السياسية بين معسكرين رئيسيين، يحمل كل منهما طيفاً واسعاً من الآراء والمواقف السياسية والاجتماعية. وبالتالي، مؤيدو ترامب في الحزب الجمهوري هم أنفسهم، على الأرجح، من يعارضون حقوق المثليين، أو الإجهاض، أو التطعيمات وإجراءات الوقاية من كورونا. في المقابل، يتبنّى الجناح التقدّمي من الحزب الديمقراطي قيماً سياسية واجتماعية معاكسة. وبينما تُظهر الأرقام ارتفاعاً في شعبية المعسكر الأول في أوساط كبار السن ومنخفضي التعليم، ينتشر الثاني في أوساط هوليوود والأوساط الأكاديمية.

 

ما حدث هو أن جيلاً فلسطينياً جديداً عاش في الشتات استخدم أدوات مجتمعه الجديد للدخول رقماً في هذه المعادلة. وهكذا تحوّلت فلسطين إلى أحد مكونات المعسكر التقدّمي. قضية نضال ضد العنصرية، كما في حركة “حياة السود مهمة”.

هذا التنافس على الرواية ليس تنافساً على العواطف، بل يمكن ترجمته إلى قراراتٍ سياسيةٍ عملية. شهدنا للمرة الأولى في تاريخ أميركا تحرّكات في الكونغرس داعمة لحقوق الفلسطينيين ومدينة للانتهاكات الإسرائيلية.

وإذا كانت نظريات المؤامرة المطلقة تثبت خطأها، فلا يوجد مجلس ماسوني يهودي سرّي يحكم العالم، فإن الاستثمار في النضال الإنساني المشترك هو طريقٌ ينبغي أخذه بجدّية تامة.

 

ومن المنطلق نفسه، يجب التشديد على أخلاقية القضية، وتقديم نموذج لا يربطها بالاستبداد والفساد وأنماط أخرى من العنصرية، فهي قضية تحرّر وطني وبناء ديمقراطي أيضاً.

وإذا كان اليمين الإسرائيلي قدّم هدية مجّانية بتصدير نموذج “يعقوب”، فإن الخيار للفلسطينيين حول النموذج الذي سيتم تبنّيه من جانبهم.

نقلا عن العربي الجديد

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات