مدونات

والعود أحمد! محمد الشبراوي

أمس الأول، مررت بأبي الفرج الأصفهاني في مقهى الفيشاوي، وحدثني طويلًا عن أمور شتى في دنيا الأدب، لكنني قرأت في وجهه امتعاضًا لم يَفُه به؛ فأردت أن أتوثق مما داخلني، وقلت: يا أبا الفرج! لله در القائل (إذا القلبُ لم يَبْد الذي في ضميره/ ففي اللحظ والألفاظ منه رسول)؛ فأغمض عينيه وقال: صدق والله!

ووصل حديثه بعدما أرخى عينيه، ثم رفعهما وأشار إلى النادل – الجرسون لا مؤاخذة – وهو يقول: المشاريب عليك يا أفندي! فأجبته أن حبًّا وكرامة، اطلب واتمنى يا عمنا. راقه أن قرأ في عيني قبولًا لشرطه، واسترسل في الحديث تاركًا نفسه على سجيتها، قال: منذ جئت وأنت تطالع هاتفك مرةً كل ربع ثانية، ويخيل إليَّ أنك تنتظر أمرًا جللًا، وأن هذه الرسالة ستنقلك من حالٍ إلى حال، أو سيبعثون في طلبك لتحلف اليمين وتستلم الوزارة!

قلت: على رسلك يا عمنا! بلاش تبالغ وتأفور، لا شيء من ذلك على الإطلاق، لكن حرمنا المصون اتصلت بي قبل ساعات، وقالت لي سأرسل لك “شورت لِست” بطلبات البيت، ومتتأخرش، هاتها وتعالَ فورًا، وسيبك بقى من – سامحني يا عمنا – أبو الفرج ولا أبو الدهب اللي هياكل دماغك ده!

* وأبي، ماذا يفعل؟
– لا أراه. لا يصعد إلا بعد أن تغادري أنت وصفاء إلى الكلية كي يتناول غداءه. ويحاول أن يكون مرحاً حين يساعده مزاجه على ذلك بينما لا تساعده والدتك على الأمر. وحين تكونين أنت تنفجرين ضحكاً ولا تهتمين بشيء آخر غير سماعهما. تنام والدتك بعد الظهر ويغادر والدك إلى العمل. وإن كان دورك في غسل الأواني فإما تغنين أو تزعجين صفاء بأغانٍ يصدرها الراديو.

* لكنها جميلة!
– أستطيع فهم صفاء وفهمك. فهي ليست محبة كبيرة للموسيقى والأغاني، بينما لا يمكنك العيش بدون سماع أغنية أو الغناء، خصوصاً إن كنت تغسلين الأواني.

ضحك عال مني.
– دعيني أكمل. بعد الشجار على مستوى الصوت تستسلم صفاء لأنك تكادين تنتهين وتصرخ والدتك لأنها تريد النوم. وفي حال كان والدك قد نام فإنه يطرد مريم من الطابق السفلي، فهو يريد الصمت ومريم تجلبك وأنت تجلبين مروة. وهكذا يتخلص من العلة الأولى وتصبح مريم مشردة بدون منزل.. أو تنام.

* وكيف تعرفين هذا وأنت جالسة فوق المكتب طول النهار والليل؟

حتى الجيران يعرفون هذا يا صديقتي!

* أكملي.
– حسناً، مساء تختلفون على ماذا تتناولون كطبق عشاء وفي النهاية تختارون “الفوشار” أو البيض، ويتناول والدك الحساء الذي صارت شيماء تعده كل ليلتين.

* وفي الليل؟
– ينام الجميع عداك وعبد الرحمن والثلاجة، وتنتصرين عليهما في النهاية.

ولا تنامين؟
– أنام، لكنك تزعجينني كلما أعدتِ حقيبتك إلى مكانها.

هنا وقفت مشدوهة من كلام “حكمة” وضحكت فرحة من حفظها لطريقة عيشنا. وتذكرت أنني قبل أيام أخبرت صديقاً عزيزاً بأنّ أكثر شيء ممتع أفعله هو مراقبة الناس؛ في الكلية، في الفصل، في الطريق، في الترام واي، وكلما وجدت طريقاً إلى ذلك. ولم أنتبه إلى أنه من الممكن أن يراقبني أحد ما خصوصاً شخص قريب مني كـ”حكمة”.

نقلا عن العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى