مدونات

«والعيش والملح».. هذه أشياء لن تجدها في المدن.. يوسف الدموكي

لا أزعم أننا كنا بيتاً ريفياً أو يحمل ميراث القرية، وإنما بيت بسيط أصيل يحمل في جعبته «لمّة» العائلة، ويشبه في ملامحه جيرانه من أهل الشارع، حيث نشأنا في بلدة كبيرة تحيطها الحقول وتُرعتان. يضم البلدةَ الناسُ الطيبون بأراضيهم المباركة، كأن البلد ولدٌ أسمر له ذراعان خضراوان، يضم إلى صدره الأهالي بالعُرف والمعرفة، والطيب والطيبة، والسكن والسكينة.

ففي بلدتنا الكبيرة جداً، التي تعد -بشكلٍ ما- من الأرياف، تخبرك وجوه أهلها أن لهم آباءً سرحوا بالبهائم ووُلدوا في حقول الذرة واشتدت أعوادهم بجوار أعواد القمح، وأخذوا أسماءهم من المواسم، ودخل أحفادهم المدارس من خير الأرض ورزقها الواسع، وارتفعت بيوتهم ومنازلهم، ولم ترتفع أنوفهم، وشابوا والضحكة ما زالت تلاطف تجاعيد وجوههم، ولمعة ثناياهم تزاحم حمرة الرمد في عيونهم، والحياة التي بين أيديهم تعنّف الموت الذي يخطف القريبين من أحضانهم.

في بلدتنا ميراثٌ من الحب يكفي الجميع، يجعل فرحة الولد بدخول الجامعة أو الفوز بكلية عالية أو الظهور على التلفاز، مراسم فرحٍ جماعية في القرية، الناس يتبادلون التهاني في البيوت والشوارع، يسلمون بالأحضان في المساجد، يشدون على الأكتاف والأيدي، يقسمون بالله ألف مرةٍ أنهم كانوا يدعون له في رمضان، أنهم ذكروه على جبل عرفات -وعلى ذكر عرفات والحج والقرية.

فإن أول ما يُغنى في البيوت بعد سفر الحجاج: «الحاج سافر ونسيت أقول له.. يجيب خواتم للشارع كله»، لماذا للشارع كله؟ لأنهم جميعاً إنسان واحد ربما، وهذا هو مبدأ الأرياف- يهنئون، يقولون: «مبروك»، فيرد صاحب الفرحِ أو أبوالولد الناجح أو والد الطبيب القادم أو أبوالشاب، ابن القرية، الذي ظهر على التلفاز -أو «التلافازيون»- يقولون «مبروك»، فيرد عليهم: مبروك عليكم أنتم.. ما هو الواد ابنكم زي ما هو ابني.

في الريف -يا سيدي- لا يجوع الناس، لا يموت أحد بجوار صندوق القمامة، لا تُزف العروس في خمسٍ من صديقاتها، لا يُدفن الرجل في ستة من زملاء عمله، لا تتصاعد رائحة الأرز بشعرية وتدخل رئات أحد الجيران إلا إذا دخل الطعم فمه أولاً، لا يُضرب الناس ظلماً، ولا تأتي الحقوق -أو تضيع بالأحرى- في مراكز الشرطة، وإنما ترد الحقوق في منازل كبار البلد ورجال العائلات وبيوت الفلاحين.

في القرية -يا سيدي- دفءٌ يكفي الجميع، حضن واسعٌ يختفي بين ضلوعه الكبار قبل الصغار، بيتٌ بلا أعمدة، وسقف من القش لكنه ليس بهَشّ، وجدران من الطين، وإفطار من خير الله في ضروع البهائم، وغداء من خير الله في أديم الأرض، وعشاء من خير الله الذي في عيون الناس، وقربٌ لا يُحكى عنه وإنما متروكٌ للشعور، وبساطةٌ لا كبر فيها، لأن البلد التي تمتلئ عيون أهلها، لا مكان فيها لارتفاع أنوفهم، ولأن القنوع باللقمة الهنية -اللي بتكفي مِيّة- «شبعان»، ولأن الشبعان لا ينظر إلى ما في أيادي الغير، ولأن الذي لا ينظر إلى ما في أيادي الغير لا يحسدهم، وإن نظر فإنه يقول عفوياً: «اللهم صلِّ على حضرة النبي»، ومَن سكن النبي قلبه؟ لم يسكن الشيطان قلبه، بينما «اللي مشبعش على طبلية أبوه مش هيشبع على سفرة الناس». والريف طبلية كبيرة، لا يعرف السفرة، وبالتالي فالريف كله «شبعان».

في الفلاحين -يا سيدي- تجد السيارة -وفي الغالب تكون نصف نقل- باسمِ صاحبها، لكن مالكها الحقيقي هو كل محتاج إليها، فتجدها –كصاحبها- صاحبة واجب، تنقل «العِزال» قبل الفرح بأسبوع، وتنقل «العَشا» قبل الفرح بساعات، وتنقل المعزّين إلى المقابر في الجنازات، وتنقل الأثاث للجيران، وتنقل النساء في طريقها إلى السوق، وتعمل كإسعاف فور مرض أحد الأحباب، وتطلق «الكلاكسات» كلما مرّت بزفة عرس أو من أمام أستوديو تصوير لعروسين أو بالقرب من «كوافير» تخرج منه العرائس. وكل هذا تفعله سيارة واحدة، فما بالك بسيارات بلدٍ كامل؟ أظن أن الريف إن تعرض لحربٍ فلا حاجة له إلى المصفحات، فهناك خلف كل مقودٍ «باتمان»، يستطيع أن يجعل من سيارته -بقدرة قادرٍ- دبابة تقاتل، إن أعطيناه مهلة نصف ساعة فقط.

في ديارنا -يا سيدي- يكاد يوم «الخبيز» يكون بالتناوب، فبيتٌ سيخبز السبت، وآخر الأحد، وآخرون بقية أيام الأسبوع، والذي يخبز اليوم سيجعل في حسبانه كمية محجوزة للتوزيع، وكانت جدتي وأمي وزوجة عمي والبنات يجتمعن أمام الفرن، مستيقظات من الفجر لتحضير العجين، يخبزن ويأتي دورنا نحن الصغار لنوزع على بيوت الجيران، فهذه خمس أرغفة -ما شاء الله- كأقراص الشمس، لخالتي أم فلان، وتلك لبيت عمي فلان، وهكذا.. فكل يومٍ سيأكل الناس خبزاً «صابِحاً»، وهو مؤنةٌ دائمةٌ لا تنفد، وإن جلستَ عاماً كاملاً دون أن تخبز، فلن يشعر بغياب خبزك أحد، ولن يشعر بيتك بغياب الخبز.

في بيوتنا -يا سيدي- المتاع متاع الجميع، من «الحِلل» إلى«الحليّ»، من فص الثوم الذي تستأذن خالتي فلانة لتأخذه، إلى كيلو السكر الذي تستعيره أمي من خالتي أم فلان، ومن القميص الذي قد يحتاج إليه ابن جارنا الطيب لأنه على موعد مهم ولم يسعه الوقت أو الجيب لشراء قميص جديد، وحتى «الجاكيت» الذي قد يطوف على شباب الشارع كلهم، كلٌّ يرتديه في ليلة فرحه. يا سيدي والله إن بيوتنا نفسها باسمنا وليست لنا وحدنا، فكل غرف «المضيفة» في الشارع مفتوحة ومزينة في الأفراح حين يأتي المعازيم، وكلها «واقفة على رِجل واحدة» تقوم بالخدمة كأنها فنادق بالإيجار.

في بيوتنا، وديارنا، الفلاحين، والقرية، والريف، يا سيدي، شيءٌ من السماء، رزقٌ من الذي وعد الله به الناس، ترى الله في عيونهم بوضوح، تستطيع أن تجده في مكارم أخلاقهم بلا جهد، يكفيك ذكر اسمه وحده لتلين قلوبهم -إذا قست، ولا تقسو- تقول له: «بالله»، فيقول تنازلتُ لك، تقول له: «ورحمة جدك»، فيقول: «حلفتني بالغالي»، تدخل عليه معاتِباً وتخرج من عنده مجبوراً، يراك فيقول: «عاش من شافك»، تزوره فيقول: «إحنا زارنا النبي»، تغادره فيقول: «خطوة عزيزة»، تغضبه فيقول: «مكانش العشم»، تراضيه فيقول: «والعيش والملح». هذه أشياء في الريف فقط؛ لأن الذين في المدينة يتناولون «الكافيار»، إن أغضبتهم، لن يقولون لك «وحياة الكافيار اللي بيننا».

فلا أعلم من أين أتى أصحاب الجملة التي تقول: «مَن طلب العلا هجر القرى، فإن الحسد في الأرياف ميراث»، بكل هذه الثقة في ادّعائهم، هل عاشوا في ريفٍ غير ريفنا؟ هل يقصدون الريف الأوروبي مثلاً؟ لا أدري. كل ما أعرفه هي بلدتنا الطيبة، وريفنا الرقراق دائماً بحبات الندى، وملامح أهلنا المحفوظة في صدورنا تماماً كما هي محفوظة على الجدران منذ عشرات السنين.

وأعود أقول إنني لا أنفي الحسد، فواردٌ أن يحسد صاحب الأمر نفسه، لكن أن نصبغ الريف والأقاليم دفعةً واحدةً بصبغة الحسد الجماعي والبغض المتوارث، فهذا من باب «المدينة تلهيك، وتجيب اللي فيها فيك».

ونحن هنا لا نعمم، لا نقصد المدينة كمكان وسكان؛ وإنما كحالة، وهي تلك التي يتفاخر الإنسان بها، كفكرة حديثة، مدافعا بها ضد القرية كأنها اختراع قديم لا يصلح للعصور المتقدمة.

بل إنني لم أشعر يوماً بأن الحسد يجد مكانه بقعدة «المصطبة»، وإنما يروق له الصالون أكثر، يشعر بنفسه مرتاحاً في «الأنتريه»، حيث المظاهر الزائفة والوجوه المتعددة والأقنعة الملونة تماماً كوجه الأنتريه، الذي يقبل التغيير ألف مرة، بألف شكل ولون، لكن المصطبة وجهها واحد منذ بناها جدي، والجلوس عليها لا يتطلب بدلة مكوية ولا رابطة عنق ولا لوي كلام، وإنما بحركتين فقط تستطيع الجلوس بلا مقدمات، تتوجه إلى المصطبة، تنفض بيدك غباراً غير موجود عليها لكن ذلك من الطقوس العفوية المتوارثة، ثم تجلس.

والتبرؤ من الريف والتهرب من الأصل، يذكرني دائماً بالمقطع الذي تعج به الروايات «قروي مبهور بأضواء المدينة»، وهو توصيف لشخصٍ دائماً ما يهرب من الحارة إلى الإشارة، ومن الحمارة إلى السيارة، ومن السلام إلى «بونجور»، ومن التمسية إلى «بونسوار»، لا لشيء إلا لنقصٍ في نفسه، يجعله ينسلخ من كل شيءٍ، ويظل طوال عمره هائماً على وجهه، إلى أن يموت وحيداً في شقةٍ صغيرةٍ بالزمالك مثلاً، يكتشف الجيران جثته فيها بعد فواح موته، وتصحبه إلى المقابر وحده سيارة إسعاف، وقد مات ولم يجد ساعة دفءٍ واحدة من التي خلّفها هناك، مات والبرد يعتريه؛ لأن الخرسانة ليست حنونةً كالطين، وزحام المدينة لا يسمح لأحد بسماع الذي «يشَّاهد» بجواره، على عكس القرية التي تُسمع فيها سكرات المقبلين على الموت فنحيطهم بالدفء في آخر لحظاتهم، كما تُسمع صرخات الحياة.

يقول مريد البرغوثي في «رأيت رام الله»:

السمكة..

حتى وهي في شباك الصيادين..

تظل تحمل..

رائحة البحر.

وأقول أجل، إن الأسماك التي يقصدها مريد، أصيلة مثلنا، إن فارقت البحر دقيقةً تموت، وإن خُطفت في صندوق مياه للزينة فإنها تعيش لكن دون أن تتبرأ من البحر أو تتخلى عن رائحته، ولا تختزل عالَمه في جملةٍ قصيرة ترميه بما هو بريء منه، ولا تبهرها المنضدة الموضوعة عليها في أحد القصور، سيظل انبهارها الوحيد هو العالم الذي أول ما فتحت عينيها وجدته أمامها فاتحاً لها ذراعيه. إن الأسماك أصيلة، وليت ناسنا، يتعلمون من أصالة الأسماك شيئاً، لكنهم للأسف، تركوا كل شيء فيها ولم يأخذوا من صفاتها، إلا «زفارتها».

نقلا عن عربي بوست

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات