مقالات مختارة

وزيرة الصحة المصرية.. “إنتي جاية اشتغلي إيه؟!”

عباس قباري - عربي21

سؤال الفنانة ماري منيب لعادل خيري في مسرحية “إلا خمسة”: “إنتي جاية اشتغلي إيه؟!”، يصلح أن يكون سؤالا لوزيرة الصحة المصرية.

الموضوع ليس من قبيل السخرية منها أو انتقاد أدائها في أزمة كورونا، أو حتى زياراتها الخارجية غير المفهومة، أو تعليقا على تصريحاتها المضحكة أو المخجلة أو هما معا! لكنه بالفعل سؤال حقيقي مفاده: ماذا بقي لوزارة الصحة ووزيرتها الحالية أو من سيأتي بعدها في ظل غابة القوانين التي أصدرها قائد الانقلاب تباعا، والتي سرقت (تقريبا) كل أدوار وزارة الصحة من الواقع المصري، وبالتحديد قانون التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018، وقانون هيئة الشراء الموحد رقم 151 لسنة 2019؟

وزارة الصحة من حيث الوظيفة تتعامل في كل ما يخص صحة المواطنين من منظومة التعامل مع الأطباء والصيادلة والأطقم الطبية وتكليفهم أو توظيفهم، وإدارة المستشفيات والعيادات والمراكز الصحية ومراكز الطب الوقائي وصيدليات صرف الأدوية وهيئة للتأمين الصحي تعالج العاملين بالدولة وغيرهم، كما أنها تباشر تراخيص الصيدليات والصيادلة.. هذه الأمور وغيرها من اختصاصات الوزارة سُرقت منها لصالح مجموعة من “الهيئات الاستثمارية” التي أنشأتها القوانين، وتحوّلت بها المنظومة الصحية لمجرد حساب بنكي يدر دخلا لقائد عسكري يصرخ دوما “معنديش حاجة ببلاش!”.

صدر قانون نظام التأمين الصحي الشامل، والذي نشأت بموجبه ثلاث هيئات عامة، هي “الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل”، و”الهيئة العامة للرعاية الصحية”، و”الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية”.

و”هيئة التأمين الصحي الشامل”، هي هيئة اقتصادية مستقلة تخضع لإشراف رئيس الوزراء لها مجلس إدارة وميزانية مستقلين عن إدارة و ميزانية وزارة الصحة تؤول إليها كامل منشآت وممتلكات وأموال هيئة التأمين الصحي وصناديقه الخاصة، وهي المخولة بإدارة أموال التأمين الصحي واستثمارها وإبرام التعاقدات بعيدا عن قيود قانون المناقصات والمزايدات الحكومية بـ”الأمر المباشر يعني”، مع المستشفيات والأطباء والكوادر الطبية للعمل بمشروعات التأمين الصحي الشامل والهيئة وفق قانونها، وهي بهذا سحبت جميع اختصاصات وزارة الصحة في هذا الشأن!

و”الهيئة العامة للرعاية الصحية” هي هيئة خدمية مستقلة، ولها مجلس إدارة وميزانية مستقلة، وهي بنص القانون أداة الدولة في ضبط وتقديم الخدمات الصحية التأمينية للمؤمن عليهم ولها حق إنشاء المستشفيات والعيادات والمراكز الطبية، وتُشرف عليها وزارة الصحة إشرافا عاما دون تدخل في شؤونها!

أما “الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية”، فهي الأخرى هيئة مستقلة لها مجلس وميزانية خاصة يشرف عليها رئيس الجمهورية. دورها اعتماد المستشفيات والمقار الطبية والعلاجية لضمها لنظام التأمين الصحي، ورقابتها والتفتيش عليها وإيقافها عن العمل أو إنهاء تعاقدها. وهي الجهة المختصة باعتماد الأطباء والأطقم الطبية والصيدلانية التي يتم ضمها لنظام التأمين الصحي .

فلما تعلم أن نظام التأمين الصحي الشامل بهيئاته الثلاث هو المهيمن على تقديم الخدمة الصحية الشاملة “لجميع المواطنين”، ممارسة وإدارة وإشرافا ورقابة، وتؤول إليه كل هذه المهام، كما يستلم الميزانيات والاعتمادات المالية المخصصة من الدولة لهذا الغرض دون دخولها موازنة وزارة الصحة، كما يستلم منها فورا كافة الصناديق الخاصة في دائرة اختصاصه، كما أن له حرية الاستثمار والمضاربة بأموال المستحقين دون رقابة منها.. فماذا ترك للوزارة إذن؟

ثم يأتي القانون رقم 151 لسنة 2019 ليقضي على ما تبقي للوزارة من وجود، وهو المعروف بقانون “اللوا بهاء”، و”قانون الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية”.. نعم هكذا عنوان القانون كما قرأت. وقد أنشأ هذا القانون هيئتين مستقلتين معنيتين بشؤون الدواء والأجهزة والمستلزمات الطبية، وشؤون الصيادلة والمنشآت الخاصة بالصيدلة وتصنيع وتخزين الدواء.

أولهما “الهيئة المصرية للشراء والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية”، وهي هيئة “اقتصادية” مستقلة تحل محل وزارة الصحة في كل ما يخص شراء توريدات المستحضرات والأجهزة والمستلزمات الطبية، لجميع الجهات الحكومية وقطاع الأعمال العام ولمؤسسات هيئة التأمين الصحي الشامل بجميع منشآتهم. وقد أعطاها القانون هذه المهمة حصرا “دون غيرها” وفق نصه!!

كما أن لها حق إنشاء شركات مساهمة لاستثمار أموالها في إنشاء مصانع وشركات الدواء ومكاتب الوكالة الدوائية وكافة المشروعات الخاصة بغرضها. ليس هذا فقط، بل هي المسؤولة حصرا عن رسم خطط الدولة وتحديد احتياجات الجهات الحكومية ومراجعة مخازنها، ووضع نظم التخزين والميكنة وتكنولوجيا الحصر، وتحريك المخزون من تحت يد أي جهة لأخرى دون الرجوع للجهة الحائزة. كما أن لها التعاقد المباشر مع الجهات والشركات الدولية والمحلية لتوريد الأدوية والمستحضرات والأجهزة والمستلزمات دون معقب!

كما أنها تستلم ميزانيات ومخصصات الدولة لهذا الغرض من ميزانية الدولة مباشرة. المفاجأة أن لها حق تحصيل رسم 7 في المئة عن كل تعاقد تبرمه لصالح الجهات الحكومية! كما أنها لا تتعاقد لصالحها، إلا بعد استلام كامل المقابل مقدما قبل التوريد. ولها أيضا حصرا حق إدارة منظومة الصيانة للأجهزة التي قامت هي بتوريدها!

هل لاحظت ذكرا لوزارة الصحة في كل ما ذكر؟

أما الهيئة الأخرى التي أنشأها القانون هي “هيئة الدواء المصرية”، والتي تحل محل وزارة الصحة في كافة اختصاصات التسجيل والاعتماد والتداول ورقابة المستحضرات الطبية والتجميل والوقاية وموادها الخام، وكذا فحص المبيدات الحشرية والأدوات الخاصة بالتصنيع الطبي.

فكل ما يتم تداوله في سوق الدواء ومستلزمات الصحة لا يمر إلا من خلال هذه الهيئة. ببساطة، عبارة “مصرح به من وزارة الصحة” التي كنت تقرأها على عبوات الدواء ومستحضرات التجميل والوقاية وغيرها؛ ستختفي للأبد!!

كما أن لها اختصاص لا يقل أهمية عن كل ذلك تتولي بموجبه منح تراخيص العمل للمؤسسات الصيدلية والمعامل الخاصة بالدواء ومصانع الدواء، أيضا التفتيش والرقابة على المنشآت الصيدلية والعاملين بها، ومدى التزامهم بالاشتراطات التي تضعها.

هذا الهيئات الخمس المستقلة، والتي يديرها رؤساء بدرجة وزير أو نائب وزير، يحق لها تلقي التبرعات والمنح والعطايا، ويشارك في مجالس إدارتها الصندوق السحري “تحيا مصر”، قد فرّغَت الوزارة من أي مضمون، وجعلتها كالضيف الثقيل الغير مرحب به. وسلبت منها جوهر وظيفتها الخدمية، وحولته لمجموعة استثمارات يسدد مقابلها جميعا المواطن.

ربما المقصود ألا يبقي لمنصب وزير الصحة سوى المناكفات مع خريجي كليات الطب والصيدلة والتمريض وإرهاقهم بالتكليف، وفرض شروط تعسفية على الأطباء للتعاقد في تلك الهيئات، بل ربما مع الوقت لن تجد من منظومة الوزارة إلا مكاتب الصحة المعنية بقيد المواليد والوفيات، والذي أرى أنه من الأوفق في نفس السياق إسنادهما لوزارة الداخلية، كونها المهيمنة على تحديد الأسباب الحقيقية لوفاة معظم المصريين هذه الأيام!! كما أنه بطبيعة الحال الخارج من تحت سطوتها مولود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى