مدونات

وقعة الشاطر وأحاديث الهوى.. محمود أبو عبية

سألت صديقي الذي يكبرني إن كان قد فقد عقله بعدما ظهرت عليه ملامح الإرهاق، فالوجه شاحب والعينان مسهما الذبول كالقمر الذي أفل أو الشمس  التي خفتت، وبدت حول عينيه هالة سوداء امتدت لوجنتيه، فداعبته قائلاً: “من الحب ما قتل”، فرمقني بنظرة حادة أو ظننتها هكذا حتى علمت أنه لم يسمع ما قلته، فقال بنبرة هادئة: “بتقول حاجه؟”.

ولم ينتظر أن أجاوبه فطرق باب الكلام: “ماشوفتش النوم من أربع أيام”، وبدأ يتحدث عن كمية التعب الذي يلقاها كلما وضع دماغه على السرير، يتقلب يميناً ويساراً، فما إن يختلي بنفسه حتى تمر بباله فلا تترك سريرته، تضع غشاوة حبها على عينيه، تفوح رائحتها من خياله حتى يصير كل ركن من أركان غرفته شذى عبقها، يراها أمامه ويعزف صوتها ألحاناً تطرب فؤاده الملقى بين جنبات ضلوعه، كأن قلبه يسمعها قبل أذنيه وروحه تلمس وجودها قبل يديه، حتى هرب منه النوم ولم يقدر على لحاقه، وبالأخص بعدما تركته وقرر أهلها أن تتزوج واحداً غيره، ذلك الذي أشعل فتيل الغرام ليؤرق عليه المنام، فصحيح كما قالوا إن “النوم سلطان” لكن لا غلبة على سلطان الحب

وقبل أن يقص عليّ حكايته، كنت أحدثه عن أن النوم هو الملاذ من تعبك اليومي واستنزاف قدرتك النفسية والجسدية، لكن تذكرت في نفس اللحظة صديقي أيام الجامعة ونحن نسكن معاً، فكان يهرب من العالم إلى النوم لكي يلتقي بمحبوبته التي فرقت بينهم الطرق، فلم يستطع ملاقاتها في الواقع، فقرر أن يهيم بها في خياله فأصبح يسهب في النوم حتى لاحظت عليه ابتسامته وضحكته وفي أوقات يردد اسمها ولما يستيقظ نراه في أسعد لحظات حياته، وفجأة أدركت حقيقة إحدى الجُمل العامية وأكثرها عمقاً في أغاني الست أم كلثوم وهي تقول:”أهو بين دا ودا، الحب كدا”، لكي تستلم لحتمية الأقدار بعد ذلك فتقول: “إزاي يا ترى أهو دا اللي جرا”.

كن صديقي ليس هو الأول ولن يكون الآخر، فالتاريخ واشٍ وفضّاح بطبعه لذلك أخبرنا عن الكثير والكثير ممن قتلهم حبهم وأعياهم هواهم، وذلك يكفي لكي أسوق لك حكاية عفراء بنت عقال وعروة بن حزم والحب الذي لم تشبه أنانية، وحانت اللحظة وانقطعت حبال الوصل بينهما حتى علم بزواجها، فتأرجح قلبه كالثمل واختال عقله وأصبح لا يطيق نفسه الذي يدخله دون ذكر اسمها، وقرر عروة زيارة عفراء في منزل زواجها، فتنكر وذهب ظناً منه أن زوج عفراء لا يعلم من أمره إلا أنه أحد الأضياف الغرباء لكن لما أدرك أنه يعرف حقيقته عزم على الانصراف وقال لها:

يا عفراء أنت حظي من الدنيا وقد ذهبتِ فذهبت دنياي بذهابك، فما قيمة العيش من بعدك، وقد أجمل هذا الرجل عشرتي واحتمل لي ما لم يحتمل أحد لأحد حتى استحييت منه فإني راحل وأعلم أني راحل لمنيتي”، وظل يبكي وهي تبكي حتى رحل وبعد هذا اللقاء أغمي عليه وأصابه الخفقان والرعشة وسقط مريضاً حتى مات، فلما علمت عفراء بالخبر قالت لزوجها: “إن ابن عمي قد مات فيّ وبسببي، هل لي أن أندبه وأقيم مأتماً أبكي عليه؟ فقال لها: افعلي”، فظلت تبكيه ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع ماتت حزناً عليه.

البؤس ومظاهر الشقاء دوماً تنقيها الدموع، والباكون من العشاق الهائمين أصدق الناس حديثاً وأكثرهم تنقيحاً للإنسانية..

فجأة وجدت صديقي يهزني بعدما رآني هائماً ومحدقاً لبعيد ثم قال: “من الحب ما قتل”، فرددت عليه: “بتقول حاجه؟”، ثم ترددت في بالي مرة أخرى الطقطوقة بلحنها وبصوت أم كلثوم: “أهو بين دا ودا، الحب كدا”

نقلا عن العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى