مدونات

يتحوّلون عن السياسة في مصر .. خديجة جعفر

كانت تسعُ سنوات كفيلةً بتحوّلاتٍ من الضدّ إلى الضدّ لدى كثيرين ممّن شاركوا في الثورة المصرية في العام 2011، بل واتسعت هذه التحولات، لتشمل اتجاهات عامّة، يمكن رصدها في عموم المجتمع المصري، فحين اندلعت الثورة المصرية، إثر نجاح الثورة التونسية، بدا أنّ يقظةً سياسيةً مفاجئة أصابت فئاتٍ عديدةً من عامّة الشعب، ومن الشباب تحديدا، بعد عقود طويلة من “اللامبالاة السياسية” التي عَكَست اغترابًا عن كل ما هو “عامّ”، ولكنّ لحظة الثورة أثبتت أنّ هذا “العام” هو ممّا لا يمكن للإنسان تجاهله، وإنْ تظاهر وانشغل بخاصّة أمره فقط؛ إذ العيش في جماعاتٍ من شروط الحالة البشرية كما تقول الفيلسوفة حنّا آرندت، ومن الظروف الاضطرارية على وجه الأرض، كما يقول عالم النفس النمساوي ألفريد أدلر، فلا سبيل لإلغائه، وإنْ تعرّض للتجاهل، فحين بدأ المصريون يهتمون بالسياسة، بعد عقود طويلة من التغريب السياسي، بدأوها بلحظة غضب مفاجئة، ثمّ شُهداءَ ومصابين، قُدّموا فداءً لما ظُنّ أنّه ثمنٌ لا بدّ منه للحرية التي سُلبت من المصريّين عقودا. 

وخلال عامين ونصف العام بعد الثورة، كانت السياسة شغلاً شاغلاً لكثيرين، وجامعًا أساسيًا بين المصريين. وفي ذلك الوقت، كان البروز والظهور من نصيب من يستطيع المشاركة في أحداث التظاهرات المتتالية التي لم تَكُن تهدأ، وحبّذا لو كتب هذا المشارك “حاشيةً” على الثورة، على صفحته على “فيسبوك” فتنتشر عبر آلاف المشاركات، ويحوز كاتبها لقب “الناشط” و”الثائر”، وينتشر اسمه ويحوز الإعجاب. كما انتشر الاهتمام بالأفكار والأيديولوجيات السياسية، وغدا الشباب يهتمون ويجتمعون حول أنشطةٍ محورها “السياسة”، فزاد الإقبال على الانخراط في الأحزاب، بل وتكونت أحزاب جديدة، ونشأت مبادرات شبابية سياسية جديدة. كما كانت الأنشطة الثقافية تصطبغ بلون اهتمامٍ سياسيّ. وفي تلك الفترة، كان كثير من الشباب المنخرط في الثورة يعرّف نفسه “ناشطا سياسيا”، كما لمعت مهنة الصحافة والإعلام، وأضحت الصحافة طريقًا مختصرًا للعمل والظهور والانتشار والتأثير.
انتهت فترة “الحرية السياسية” المحدودة من دون سابق إنذارٍ خلال عامين ونصف العام، غدا  
بعدها الانخراطُ في السياسة محفوفًا بالمخاطر، إثر صدماتٍ سياسيةٍ متتالية مُلوّنة بالدماء. كما أصبح “الظهور” و”البروز” الذي ينال من يشارك أو من يكتب حاشيةً على السياسة مكلفًا جدًا. قد يكلّفُ الحياةَ نفسها، وقد يكلّف سنواتٍ من العمر خلفَ أسوارِ السجن، فأمسى من يحاول أخذ السياسة بجدّيةٍ، فيلقي بنفسه في يَمّها، أو يمرّ بحذر بجانب نهرها يتحوّل إلى “تراجيديا سياسية” بشكلٍ أو بآخر. واختفت مهنة “الناشط السياسي” اختفاءً مفاجئًا، كما أضحت “الصحافة” مهنة المتاعب والمخاطر.
وانتقلَ كثيرون من المشاركين السابقين في السياسة، منهم يائسون ومنهم متعقّلون، إلى حلبة “الخاصّ” الآمنة والمتيسرة. فأصبح ملاحظا في مصر الاهتمام المتزايد بـ”الصحة النفسية” و”الصحة العقلية” و”التغذية الصحية”، فتصدرّت الكتب النفسية والأدبية قوائم الكتب الأكثر مبيعًا في دور النشر والمكتبات ومعرض الكتاب السنوي، وأضحت “العناية بالذات” أولوية كبيرة، وغدت ممارسة “التعافي النفسي” شائعة، فأصبح هناك من يسير في طريق “التعافي” من صدمات الماضي وأوجاعه، ومن يعرّف نفسه “متعافيًا” من الآلام النفسية. وانتشرت “دورات” الصحة النفسية والعلاقات العاطفية والورش النفسية انتشارًا كبيرًا، سواءٌ غير الهادفة للربح أو الهادفة للربح. بل وزاد الإقبال على الاختصاص في الصحة النفسية والعلاج النفسي ومجال توجيه الحياة/ الكوتشينغ سواء من شباب الأطباء، أو الكتّاب أو عموم الشباب الشغوفين بالصحة النفسية ومجال العلاقات العاطفية، والعائلية، وأضحى هناك من يعرّف نفسه بـ “كوتش/ موجّه” أو اختصاصي علاقات عاطفية، أو محفّز، أو مشير أسري، أو رائد أعمال.
لم ينتشر الاهتمام بالصحة النفسية في صورتها الحديثة فقط، بل انتشر الاهتمام بالتصوّف الذي انجذب له فارّون من عالم السياسة المتزايد الخطر. كما انتشرت ممارسات ما يعرف بـ “العصر الجديد” في الأدبيات الغربية، وهي الممارسات الروحية الهندية والصينية التي تلبّست بلباس حديث، وانتقلت إلى الغرب. وفي الوقت الحالي، انتشرت في مصر بعد الإخفاق السياسي الذي فرّق النّاس عن بعضهم، ما جعل الناس يحتاجون للاجتماع حول اهتمامات آمنة. ولوحظ في مصر زيادة عدد المراكز والشركات الهادفة للأنشطة الروحية المهتمة بـ”التأمل” المعروف في الديانات والحضارات القديمة والوسيطة.
ولتكتمل الصورة، هناك كثيرون من القابعين خلف أسوار السجن، ممّن علقوا في شباك السياسة، أو مرّوا بجانبها في شهر عسلها القصير جدًا، وهم ينتظرون الفرَج ليخرجوا من شدّتهم، ثُمّ لا يجدون عالمهم القديم القصير، ويجدون عوضًا عنه عالمًا جديدًا لا يُعلَم إن كانوا سيجدون فيه شفاءً لآلام ليالي السجن الطويلة، أم سيتعيّن عليهم أن يكيفوا أنفسهم بحسب شروط العالم الجديد الذي أخرج السياسة من حيّز اهتمامه بالكليّة.

نقلا عن العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى