مصر

يحيي حسين عبد الهادي يكتب: الآن .. ليس المهم بديل السيسي لكن ما هو طريق الخلاص

كتب المهندس يحيى حسين عبد الهادي مقالاً في موقع 360 عما أسماه سؤال البديل من وما .

وأكد عبد الهادي عدم انشغاله بسؤال من هو البديل، لكن الأهم ما هو طريق الخلاص.

عبد الفتاح السيسي

يطرح حسين رؤيته عن نظامي الرئيس الراحل محمد مرسي، والنظام الانقلابي الذي قاده عبد الفتاح السيسي، وإن لم يتحدث كاتب المقال عن الانقلاب بوضوح، وتجاوز كل المجازر التي قادها السيسي ونظامه منذ 3 يوليو 2013، ربما بسبب وجوده فى مصر وهو أدرى بما هو متاح،  إلا أنه يقف  على بعض النقاط الهامة اتفقنا أو اختلفنا معه ، كما تحدث عن مواصفات الدولة القادمة الواجبة.

مقال يحيى حسين عبد الهادي

سؤال البديل ليس سؤالاً واحداً وإنما هو فى حقيقته سؤالان: (مَنْ؟) و (ما؟) .. ومؤخراً أثار النائب المهذب محمد أنور السادات ببيانه المُجامِل الرقيق سؤالاً ثالثاً (مَتَى؟) مجتهداً فى إجابته بعام ٢٠٢٤ .. مع أنَّ الإجابة النموذجية سَرَّبَتْها فيروز قبل نصف قرن: (الآن .. الآن .. وليس غداً).

ولستُ مع المنشغلين بسؤال (مَنْ) الذى يُعنَى باسم البديل .. ليس فقط لأنه يفتح الباب لخلافاتٍ ومعارك جانبية صغيرة مبكرةٍ عن موعدها، ولكن لأن النظم الديكتاتورية لا تتورع عن حرق أى بدائل محتملة بالتشويه والاغتيال المعنوى وربما المادى .. فضلاً عن أنه فى بعض الأحيان تُرَّوِج الديكتاتوريات نفسها لهذا السؤال بعد سنواتٍ من تجفيف المنابع وإقصاء المنافسين، لإثارة رعب الكثيرين من المجهول وتبرير الاستمرار على العرش أطول فترةٍ ممكنة، بمنطق (اللى نعرفه أحسن من اللى ما نعرفوش) .. مع أنه فى أحيانٍ كثيرةٍ يكون (اللى ما نعرفوش أَيَّاً كان اسمه، أحسن بالتأكيد من الذى عرفناه!).

رأيى أن سؤال البديل يجب أن يُسأَلَ بِمَا  لا بِمَنْ .. (ما) طريق الخلاص الذى علينا أن نسلكه بعد عقودٍ من التِيه؟ .. والإجابة ليست صعبةً، فسنوات التيه لم تكن كلها شراً، فإن لم تكن أوصلتنا لسكة السلامة بعدُ، فهى على الأقل فد عَرَّفتنا على سِكَّة الندامة حتى لا نجربها مرة أخرى.

فقد تكون الآلام التى اعتصرت مصر فى السنوات الأخيرة هى الثمن الذى استوجب السداد للتخلص السريع من عِلَّتَيْن عقليتين، استهلكت غيرُنا من الأمم قروناً من تاريخها وسالت أنهارٌ من الدماء للتخلص منهما .. عِلَّتَيْن كبيرتَيْن استقرتا فى الضمير الجمعى لقطاعاتٍ كثيرةٍ من المصريين من كثرة ترديدهما، وكَبَّلَتا أقدامنا كثيراً إلى أن سقطتا .. وتشابهتا فى رحلة السقوط وكأنهما وجهان لعُملةٍ واحدة .. إذ بدأت قفزة السقوط لكل عِلَّةٍ فى اللحظة التى بدا أنها قد تَوفرت لها أسباب البقاء الطويل على القمة .. العمامة والكاب.

أما الأكذوبة الأولى فهى أن نهضة مصر لن تتحقق إلا بِحُكمٍ دينى .. تَسَرَّبَتْ من أفواه شيوخ الزوايا وأقلام الدجالين على امتداد عدة عقود وترَّسَخَت فى وعى قطاعٍ كبيرٍ من العامة، مصحوبةً ببعض البهارات مِن عَيِّنَةِ (لقد جَرَّبتُم الاشتراكية وفشلتم .. وجَرَّبتُم الرأسمالية وفشلتم .. لماذا لا تُجَّرِبون الإسلام؟) .. وهو قولٌ ملئٌ بالمغالطات، بدءاً من توصيف ما تم تجريبه بأنه اشتراكية أو رأسمالية، ثم الحُكْم بفشل ما تم تجريبه، لكن المغالطة الكبرى أن يُقارَنَ دينٌ سماوى بمذاهب اقتصادية .. فضلاً عن أن من يردد الأكذوبة كان يُلَّمِح ضِمناً إلى أنه يُجَّسِدُ الإسلامَ المطلوبُ مِنَّا أن نُجَّرِبَه.

فى اللحظة التى جلس فيها الدكتور محمد مرسى (رحِمَه الله) على المقعد الرئاسى، بدا وكأن الأكذوبة قد كُتِب لها عمرٌ مديد وأن العِلَّةَ تمكنت من الجسد .. فالرجل يبدأ حُكمَه مدعوماً بالقوى الوطنية المدنية فضلاً عن كل فصائل ما يُسَّمَى بالإسلام السياسى .. فلما التصقت الجماعةُ بكرسى السُلطة صَبَغَها الكرسى بأمراضه وانكشفت أمراضُها .. وانقشعت الهالة النورانية عن أفرادها، فإذا بهم ليسوا مجموعةً من الملائكة كما أشاعوا (ولا من الشياطين كما يُشيعُ خصومهم) .. وإنما هم مجموعةٌ من البشر .. فيهم الصالح والطالح .. القانع والطامع .. الشريف والفاسد .. الناجح والفاشل .. وإذا بمن دانت لهم القيادة فى الجماعة يبدأون دون مبررٍ منطقىٍ سياسةَ إقصاءٍ سريعة لكل حلفائهم، مع انكشافٍ كاملٍ لعجز كوادر الجماعة عن إدارة دولةٍ بحجم مصر  .. فكان الفشلُ المُبَّكِر (الذى أعطى الفرصة لمن أضافوا الإفشال إلى الفشل) .. ثم جاء الإعلان الدستورى الكارثى، ليكشف تَجَّذُرَ جينات الاستبداد تحت مساحيق التجميل، فكان الصدام مع قطاعٍ كبيرٍ من الشعب (وتلك حقيقةٌ بِغَّضِ النظر عن التهويل أو التهوين فى الأرقام) .. لكن الأهم أن د. مرسى وهو يسقط عن كرسى الحُكم كانت تسقط معه فى نفس اللحظة تلك الأكذوبة العتيقة .. (نؤكد أن رَصْدَ أخطاء قيادات الجماعة، وهى فى الأساس أخطاءٌ سياسية وإدارية لا علاقة لها بالعنف ولا الإرهاب .. لا يعنى بأى حالٍ موافقتنا على ما يتعرضون له “هم وغيرهم” من تنكيلٍ ومظالم .. لا المروءةُ تسمح ولا الإنصاف ولا الوطنية .. ونؤكد أن مجابهة الأخطاء السياسية تكون فى صناديق الانتخاب لا فى غياهب السجون .. ولا نتحرج من الاستماتة فى الدفاع عن حَقِّهم فى عدالةٍ حقيقيةٍ ومعاملاتٍ إنسانية رغم اختلاف القناعات).

عهد السيسي 

أما الأكذوبة الثانية التى تَرَّسَخَتْ أيضاً فى وعى قطاعٍ كبيرٍ من المصريين، فهى أن مصر لا يصلح لها إلا رئيسٌ قوىٌ .. وفى ذهن قائلها أن الرئيس القوى هو بالضرورة رجلٌ عسكرىٌ (وفى ذهنه عسكرىٌ مُعَّيَنٌ يُحِبُه: ناصر أو السادات أو مبارك) .. وساعد فى ترسيخ الفكرة أن نظام الفرز والترقى فى الجيش المصرى لم يكن يُظهر على وجهه عادةً إلا عناصر قويةٌ جديرةً بالاحترام مثل: فوزى، رياض، الشاذلى، الجمسى، أبو غزالة وغيرهم .. ولكن، وبصورةٍ تكاد تتطابق مع ما حدث فى حالة الدكتور مرسى، فقد بدا فى اللحظة التى اعتلى فيها السيد عبد الفتاح السيسى كرسى الرئاسة، وكأن الأكذوبة الثانية قد كُتِب لها أيضاً عمرٌ مديد .. فالرجل يبدأ حُكمَه مدعوماً بتأييدٍ شعبىٍ كبير، منتسباً إلى مؤسسةٍ وطنيةٍ لها فى قلوب المصريين محبةٌ ومهابة .. فإذا به  يُبادر (أيضاً) دون مبررٍ منطقىٍ بإقصاء معظم من حوله من كفاءاتٍ .. مستعيضاً عنهم بأسوأ العناصر التى تَحَّلَقَت حول مبارك وكانوا سبباً مباشراً فى سقوطه .. واستبدل المنبطحين بالأكفاء .. ولَم تكن جينات الاستبداد تحتاج مساحيق لإخفائها، وصار إعلان مرسى الدستورى الملغى واقعاً يومياً مُعاشاً مُضافاً إليه بطشٌ غير مسبوقٍ .. فكان الفشلُ والإهدار فى معظم الملفات .. وبالتوازى سقطت نظرية أن مصر لا يصلح لحُكمِها إلا عسكرىٌ قوىٌ .. واتضح أن الجيش (شأنُه شأن أى قطاعٍ فى الدولة) يُمكن أن يضم عناصر بالغة التَمَّيُز .. ويمكن أيضاً أن يضم عناصر بالغة التفاهة.

وهكذا سقطت الأكذوبتان اللتان عَوَّقتا انطلاقَ مصر على الطريق الطبيعى للتقدم .. وهل للتقدم طريقٌ عند كل خَلْق الله غير الدولة المدنية الديمقراطية؟ دولة المُوَاطَنَة؟ دولة القانون؟ .. التى يتنفس فيها الشعب نسائم الحرية، بلا تمييزٍ ولا عنصريةٍ ولا توريث .. الكفاءةُ فيها قبل الولاء .. والوطن قبل العشيرة أو المؤسسة .. الشعب فيها هو السيد .. والحاكم فيها هو الخادم .. أَيَّاً كان ما يحمله فوق رأسه .. عمامةً أو كاباً .. تزول القبعة من فوق الرأس بمجرد انتخاب صاحبها .. المهم ألا تظل داخل رأسه ونظامه.

كان أيزنهاور ماريشالاً حقيقياً ومنتصراً، ورغم تاريخه العسكرى المُشَّرِف فإنه حينما انتُخِب رئيساً مدنياً صار من حق أصغر جندى مراسلة من مرؤوسيه السابقين أن يراقبه ويحاسبه كرئيس .. وكان سوار الذهب بالممارسة حاكماً مدنياً رغم أنه لم يخلع الكاب عن رأسه أبداً .. أما الفاشية العسكرية، فهى التى تُختَصَرُ فيها الدولة فى شخص الرئيس (حتى لو كان مدنياً كإسماعيل صدقى وصَدَّام وهتلر) فيصبح الاعتراض على أىٍ من تصرفاته اعتراضاً على الجيش والدولة والوطن .. وكلُ مُعارضٍ خائناً.

هذا عن الدولة المدنية كبديلٍ للفاشية العسكرية .. أمَّا عنها كبديلٍ للفاشية الدينية، فلعل النموذج الأقرب للدولة المدنية هو دولة عمر بن الخطاب رضى الله عنه .. إذ أن عمر رغم مكانته الدينية الرفيعة كأحد كبار الصحابة المُبَّشرين بالجنة، إلا أن ذلك لم يُرَّتِب له أى ميزةٍ كحاكمٍ (هو أو أسرته) على أى فردٍ من الرعية .. وكان من حق أضعف مواطنيه أن يُسائلَه عن ذِمَّتِه المالية، وتُراجِعَه امرأةٌ عاديةٌ فى قراراته، فيعترف بخطأه، دون أن يُتَّهَمَ أىٌّ من منتقديه بالكفر .. أَمَّا الفاشيةُ الدينية أو الحُكم باسم الله فقد جَرَّبَتها كل الديانات .. واصطلينا نحن المسلمين كثيراً (وما زِلنا) بنيرانها .. يكفى أنَّ الكعبةَ ضُرِبت بالمنجنيق مرتين باسم الله .. كانت الأولى فى عهد أمير المؤمنين(!) يزيد بن معاوية الذى حَكَم باسم الله ثلاث سنواتٍ .. قام جيشه فى السنة الأولى بقتل الإمام الحسين وصحبه .. واستُبِيحَتْ المدينة المنورة فى السنة الثانية .. وأُحرِقت الكعبة بالمنجنيق فى السنة الثالثة .. وأعاد الحَجاج بن يوسف الثقفى ضرب الكعبة بالمنجنيق بعد ذلك بعشر سنواتٍ مُفَّوَضَاً من أميرٍ آخر للمؤمنين هو عبد الملك بن مروان(!) .. وفى المقابل فإن البشير لم يَرتَدِ عمامةً فى يومٍ من الأيام، ولكنه صنع فاشيةً دينيةً نَكَّل فيها بمعارضيه باسم الدين على مدى ثلاثين عاماً .. واعتُبِر كلُ معارضٍ فى دولته كافراً.

ليست المشكلة فى اسم البديل أو القبعة التى كان يرتديها، فلينتخب الشعب من يشاء .. الأهم أن نؤسس لسياجٍ مؤسسىٍ وقانوني مُسَّلَحٍ بوعىٍ مجتمعىٍ يمنع أن تكون العمامة أو الكاب داخل الدماغ (دماغ البديل ونظامه) لا فوقها .. البديل الذى يجب الاتفاق عليه هو دولة القانون التى يعيش فيها المواطن  حُرَّاً كريماً .. يختار حكَّامَه ويحاسبهم .. لا يُكَّفَرُ .. ولا يُخَّوَنُ .. ولا يُقهَر .. الدولة المدنية الديمقراطية .. تلك معركتنا القادمة الواجبة .. نسأل اللّهَ ألاَّ تطول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى