مقالات مختارة

يهوى تكسير الأرقام القياسية! هكذا سيتحول صلاح من “نجم” إلى “أسطورة”

معاذ رمزي

إذا نظرتَ إلى روزاريو فستكون قمصان ميسي في كل مكان، سواء كانت تلك الحمراء والزرقاء الكتالونية، أو حتى الزرقاء الباريسية، أو قميص التانجو الأرجنتيني، الذي بالطبع سيحمل اسم ابن المدينة. ثم سارِع بركوب طائرة متجهة إلى لشبونة، وحاوِل أن تقوم باختيار غرفة في الفندق تحمل الرقم سبعة، بالتأكيد سيكون الأمر صعباً، بل مستحيلاً، فذلك هو رقم الحظ في البرتغال. وهذا ما ستراه في بلجيكا من أجل هازارد، وفي ريو دي جانيرو، ورسومات نيمار، لكن إذا نظرت إلى بلادنا العربية، بل كل البلاد الإسلامية فلن تجد شخصاً في حياتنا الحالية قد يجتمع عليه هذا الكمّ من البشر غير صلاح.

فجنسيتك المصرية التي تعرف نفسك بها ستعني في أي بلد تدخله في العالم “موهامد سلاه”، لن تجد ذلك القدر من التأثير لعربي في بريطانيا إلا بقدم الملك المصري، لم يتعلم الإنجليز سجدة الشكر لله مثلما تعلموا من سجدات صلاح حول إنجلترا وفي كل مدنها، ذاك القميص الذي أصبحت تتفاخر به مصر، فالعرب، ثم إفريقيا، ثم كل من مر بهم صلاح غازياً شباكهم بأهدافه طوال السنين، ليعلن غزواً فرعونياً على بلاد الإنجليز في أربعة أعوام، أعلن فيها أن كل حراس أوروبا تحت التهديد، والوصول إلى شباك العدو هي مسألة وقت ليس إلا.

محمد صلاح “الغالي” ابن بسيون أصبح أيقونة لكسر الأرقام، وماكينة تمزيق أوراق وضعوا بها تاريخ مهاجمي ليفربول وأساطيره واحداً تلو الآخر، يعبث فيهم ليصبح أسرع لاعبٍ في تاريخ ليفربول يصل إلى 100 هدف، ولكن هذا لم يكن نهاية سقف طموحه إذا افترضنا تواجد سقف يضع حداً أقصى لطموحاته، فما نراه الآن عزيزي القارئ وما أكتب عنه اليوم لم نجرؤ على الحلم به ولا حتى ذكره بعد كلمة “تخيل لو” من قبل.

فخلال أربع سنوات فقط، أجل فقط أربع، وما زال في القصة فصول لم يدع سطراً إلا سطّره بماء الذهب، صلاح قدّم الممكن وغير الممكن فردياً وحتى على الصعيد الجماعي مع فريق ليفربول كبطل لإنجلترا، ثم كبطلٍ للقارة العجوز، ثم كبطل لكأس العالم للأندية، ولكن مجرد المشاركة ليست من شيم المصريين، فالمصري معروف “بجبروته” عندما يشارك لا يشارك، وإنما يبصم بكونه أول لاعب في التاريخ يُسجل في الدوري الإنجليزي لخمسة مواسم متتالية، وثالث أفضل لاعب في العالم، وأفضل لاعب في الدوري الإنجليزي، وأفضل لاعب في إفريقيا، ثم ما نسمعه كل مباراة، حتى إنه أصبح مملاً للبعض ذكر كسر صلاح أرقام أساطير ليفربول واحداً تلو الآخر في كل مباراة، بشكل لم يعد ممتعاً لعشاق الكرة الكلاسيكية والأساطير القدامى.

جائزة هداف الدوري الإنجليزي، أصعب دوريات العالم، أصبحت المنافسة عليها شيئاً تقليدياً لصلاح كل عام، استطاع إقناعنا بأن التهديف في الدوري الإنجليزي بتلك الاستمرارية شيء سهل! بل عندما لم يستطع الفوز بها على التوالي كما اعتدنا منه بدأ البعض في انتقادات قوية.

أتذكر عندما ذهب صلاح إلى تشيلسي ولم يستطع النجاح بشكل كامل بدأ الجميع في تبريرات من نوع أن الدوري الإنجليزي لم ينجح فيه أساطير فلا عيب في عدم نجاحك في أصعب دوري في العالم، ويمكنك أن تجد فرصة في مكان أفضل، ثم بعد نجاحه في الإيطالي وبدء ظهور تلميحات بالعودة لتحدي الدوري الأصعب بدأت النصائح في الهطول على صلاح، حتى من المقربين، بالبعد عن تحدٍّ مثل ذلك التحدي الذي قد يكون قبراً يُلقي فيه بنفسه إذا فشل مجدداً.

ولكن في أول موسم نجد انفجاراً لم يشفع لمحمد -رغم ذلك- هذه المرة في أن يحميه من الانتقاد، لكن سمعنا وعلمنا بالإعلام الإنجليزي مصطلح “One season wonder”.

أو لاعب الموسم الواحد، وبدأت تشبيهات بموسم “عمرو زكي لاعب ويغان” الذي يعد من أشهر النماذج في هذا الشكل، ولكن بسرعة البرق، أو بسرعة صلاح ليصحّ التعبير، استطاع أن يتحول من ذلك اللاعب المحترف الذي يحاول الناس توقع مستقبله بالفشل أو حتى بنجاح جزئي إلى استمرارية مرعبة، حوّلته لنجم عالمي بين صفوة وخيرة لاعبي كرة القدم في العالم، بل وفي التاريخ!

فبتلك الاستمرارية على هذا المستوى المرعب الذي لا يُصدق أصبح الأمر لا يقبل التقليل بأي شكل من الأشكال، وحتى الأعداء أصبح أكثر ذمٍ يمكنهم تقديمه هو تصوير الأمور كما هي.

في الوقت الذي تقرأ فيه هذا المقال، سبتمبر/أيلول 2021، صلاح هو صاحب أكبر معدل في تاريخ ليفربول تسجيلاً للأهداف، وعلى وشك بضعة وعشرين هدفاً ليصبح هدافاً تاريخياً في الدوري الإنجليزي لنادٍ تاريخي مثل ليفربول، بل وهو الآن الهداف التاريخي لليفر في المنافسات الأوروبية، وعلى وشك أن يكون هداف إفريقيا تاريخياً في الدوري الإنجليزي، ودوري أبطال أوروبا، متفوقاً على ديديه دروغبا… إلخ.

وما زلنا محظوظين بأن نشهد فترة ازدهار الكرة الإفريقية والعربية، التي أنا متأكد أنها لن تتكرر بأي شكل من الأشكال على الأقل في حياتنا، لأنك بالطبع لم تكن تتخيل فوز لاعب عربي كثالث أحسن لاعب في العالم، أو مثلاً أنك بعدما كنت تحفظ على هاتفك كل أهداف ميدو وعمرو زكي في الدوري الإنجليزي تجد صلاح يسجل ضعفها في موسم واحد، وقد يعتبر الناس هذا الموسم ليس جيداً بالنسبة لـ”مو”!

يمكنك أن تحبه أو تكرهه، أو حتى لا هذا ولا ذاك، كل ذلك يرجع إليك في المقام الأول، ولكن كمشجع لكرة القدم وكإنسان عربيٍّ يُقدر الناجحين أياً كان مجالهم، خلاصة ما يجب أن تقدمه هو أن تقف وقفة احترام لما نراه من هذه النفّاسة التي أرتنا ما لم نحلم برؤيته من قبل، وما لم نره في أكثر أفلام السينما تلويناً للحياة باللون الورديّ.

لم تصل تلك الخيالات حتى إلى رأس السيناريست، وربما حتى لو تخيّلناها يوماً ما سنطردها من رؤوسنا لكي لا نظلم لاعبينا، فمن يمكن أن يحمل درع دوري أبطال أوروبا حاملاً علم مصر على كتفيه يوماً ما؟

الإجابة: محمد صلاح.
نقلا عن عربي بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى